الشيخ فَرَح وَد تَكتُوك
في هذا البحث، نُورد سيرة الشيخ فرح ود تكتوك الذي كان وعيه الإيجابيّ قد انساق إليه أهل السودان في زمانه. كان مولده حوالي عام ١٦٠٤م تقريباً. وهو من قبيلة البطاحين العربية التي تتركَّز الآن شرق الخرطوم العاصمة. كان صوفياً. لكنه لم يكن مثل من انشغلوا بعطايا المال والأراضى الواسعة والرقيق هبةً لهم من سلاطين دولة الفونج (١٥٠٤ -١٨٢١).

/ الاجابات
الشيخ فَرَح وَد تَكتُوك
إسهامُ الصوفيّّ في وعي العَامَّة
مقدمة
في هذا البحث، نُورد سيرة الشيخ فرح ود تكتوك الذي كان وعيه الإيجابيّ قد انساق إليه أهل السودان في زمانه. كان مولده حوالي عام ١٦٠٤م تقريباً. وهو من قبيلة البطاحين العربية التي تتركَّز الآن شرق الخرطوم العاصمة. كان صوفياً. لكنه لم يكن مثل من انشغلوا بعطايا المال والأراضى الواسعة والرقيق هبةً لهم من سلاطين دولة الفونج (١٥٠٤ -١٨٢١).
وهو - تاركاً وراءه ما يَطلُب أمثالُه الدنيا وعمل على نشر الوعي بين العامة. وقد امتدت آثاره إلى ما بعد مماته حتى الآن. وكان قد وُهب أرضاً واسعة تقديراً له لكنّه قسَّمها لحواريه، تلاميذه.
كانت العامية العربية في السودان لغة هجيناً اختلطت بثوب من اللهجات الإفريقية غير العربية. ففي هجرة العرب إلى السودان منذ معاهدة البقط عام ٦٥٢م كهجرة أولى، لم تكن للعرب مقدرة على التواصل اللغوي مع أهل البلاد النوبيين، ولا للنوبيين مقدرة على التواصل معهم. خاصة وأن العرب الأوائل كانوا من قبائل جهينة القحطانية في جنوب الجزيرة العربية اليمن. وقد كانت اللغات التي جاءوا بها إلى السودان ثلاث هي، الحميرية والنبطية والحضرمية١. ولم تكن هذه اللغات لغات عربية٢. وقد تلاشت في بلادها - في اليمن - كما تلاشت عند قبائل جهينة الذين يشغلون الكثرة الكاثِرة في عرب السودان.
كان الصوفيَّة في السودان -رغم كل شيء- يُشَكِّلون طبقةَ العلماء. وقد درس الشيخ فرح ود تكتوك على يد عالِمَيْن منهم هما الشيخان أرباب العقائد، الذي له كتاب (الجواهر) في العقائد الدينية في لغة عربية ناصعة، والشيخ ابن عمار الخطيب. وكلٌّ منهما كان قد دَرَس في الحجاز والأزهر بمصر. وكانا مُتَقَدِّمَين عِلمَاً ولغةً عربية. وعلمٌ دينيٌّ وافر. ولذا سبق الشيخ فرح ود تكتوك بقية الصوفيين بإنتاجه اللغوي المبهر. لم تكن اللغة العربية الفصحى معروفة في السودان في زمانه. لكنه اختار مستوىً لغويَّاً خاصَّاً به ما بين العربية الفصحى والعامية السودانية الهجين.
يقول د. مصطفى محمد أحمد الصافي: (إن عامَّة الناس في مجتمع سنار٣ لم تكن تُحسِن العربية الفصحى حديثاً ولا قراءة، لأنهم هجين عربي إفريقي. ولذلك فإن اللسان المناسب لمخاطبتهم هو اللسان المُستند إلى العامية الدارجة، ولكن، حتى تصبح العربية الدارجة جذَّابةً آسرة، فلابد لها من اتّباع أساليب البلاغة المتعارف عليها في الفصحى من مُحسّنات ووشي الكلام، بما يشدّ إليها المستمع. وقد اختار الشيخ فرح من تلك المحسنات ما هو أكثرها إمتاعاً وهو السجع، لوقوعه في منزلة قريبة من الشعر٤.
ويقول الدكتور محمود محمد قلندر: (إن الشيخ فرح قد درس اللغة العربية دراسة مستوفية على يد عددٍ مع العلماء والفقراء، خاصَّة عمار بن الخطيب الذي اشتهر بتمكنه في العربية، فهو بذلك كان على علمٍ ودراية تامة بكافة أركان البلاغة من بيانٍ ومعانٍ وبديع، فالقارئ لتراثه يَلمَح وضوح تَمَكُّنه من أساليب البيان المعروفة.
إن عامَّة الناس في مجتمع سنار لم تكن تحسن العربية الفصحى حديثاً ولا قراءة، وكان موقع السجع و أهميّته كأسلوبٍ من أساليب شدّ الانتباه وضمان تعرض المتلقي للرسالة مؤكد ومشهود، والواقع أن شُهرة الشيخ فرح ومكانته في التاريخ الثقافي السوداني استنَدَت على الحِكم والأقوال والتعليقات المجموعة التي كان يبثّ بها رسائله، ويبلّغ عبرها دَعوته الإصلاحية، فلم يكن الشيخ فرح ذا معجزات وكرامات كما كان غيره من شيوخ المجتمع السناريّ، بل كانت معجزة الشيخ فرح الوحيدة في بيانه الساحر القائم على براعته في السجع وفي صياغة المعاني السلسة السهلة الممتنعة. وقد حاول بعض مريديه أن يبلغوا بعض الكرامات، إلا انه لم يَسِر سَير الصوفيين الذين حاول المريدون تساوي الشيخ فرح بهم٥.
على الرغم من عبقرية الشيخ فرح وسيرورة سيرته حتى الآن، وترداد أقواله حتى الآن، وتَمَثُّل أفعاله لدى العامة والخاصة؛ إلا أن سيرته صارت محفورة في كتاب الطبقات. قيل فيها (هو الشيخ فرح ود تكتوك البطحاني، درس العقائد على يد الفقيه أرباب ولازَم الخطيب عماد وقرأ عليه علم العربية. وكان شاعراً ماهراً، وكلامه مطرباً جاذباً للقلوب. وله كلام في التفسير والتوحيد والأدب، وكان يرخّص الدنيا، ونَعَى فيها جميع العلماء والصالحين في قوله: وين أولاد جابر. وأسلم على يديه بعض النصاري ودُفِن في شرق سنار، وقبره ظاهر يزار)٦. والسودانيون یزورون قبور الشيوخ على رغم أنهم من أولياء الله الصالحين.
وتأتي أقوال الشيخ فرح ود تكتوك في معالجة مسار الناس في محاور هي:
العمل والإنتاج:
قال يحث عليها:
"في الخريف كتّر حشيشك
وفي الصيف كتر طشيشك
كان خليت حمارة دريشك
الدنائة ما بِتعِيشَك".
الخريف زمن الزراعة المطريَّة. وعلى المُزَارع، أن يُنَظِّف زراعته من الحشائش الطفيلية الضارة بها. وفي الصيف، ليس لك عمل فأنت حي ولتأكل حمارتك جيداً، أعطها العيش (الذرة)، لا تكن دنيئاً دونها فالدناءة لن تأتي لك بالخير.
"اِحفر التَّرس واَطْبُق المُحفار
وارضَى بالخدمة في النّهار الحَار
يرضَى عليك الواحد القهار"
قُم بحفر حدود أرضك التي ستزرعها بالمطر، عَمِّق ما تَحفِر به، قُم بذلك حتى تحت شمس النهار الحارة، لهذا يرضى الله تعالى عليك.
"الحَرَّات بدورو ربنا القدوس
قَدَحو في المَلم معوس
في الدنيا جابو لوال في العِلب مدسوس
واِن مَات سَاقوهو لي جنة الفردوس"
الحَرَّاث (المزارع الذي يحرث الأرض) يحبه الله تعالى. لا يَتخالف عن تقديم طعامه في الجَمع من الناس، تَرَحَاً كان أم فَرحاً، في الدنيا هو صاحب الذهب المصون في العلب لوقت حاجة، وفي الآخرة مصيره جنة الفردوس.
"العيش ها يَا العيش
هاني يا الخُمري
الـ داخرك لي عمري
يا الـ بتغدَّى بيك
وبتعشى بيك
واَصبِح مشتهيك".
أيها العيش (الذرة)، أنت جالب الهناء لونك الخمري، ادّخرك طول عمري، أتغدَّى بك، وأتعشَّى بك، وأصبح مشتهيك.
"يا أيد البدري
صَلّي بدري، أزرعي بدري
حِشِّي بدري، أَحصِدي بدري
شوفي كان تنقَدري".
أيّتها اليد العاملة سابقة الغير، صلّي في وقتها (الصبح) واسبِقى غيرك عاملةً في زراعتك، اِجمعي ما حَشّيت مُبَكِّراً، وخُذي حصادك وتأمّلي، لن يعلو عليك أحد في المال والغنى.
"العيش قال لي
كان بِعْتَ نُوم عينيك
أنا مالي بيك؟"
قال العيش لي: إن بعت مَحصُولك مني، مالذي يعنيني لحياتك، ادّخرني ولا تَبِعني.
في الدين:
وين دشين قاضي العدالة
الـ ما بْمِيل للضلالة
نَسْلُه نِعْم السلالة
الـ أوقدوا نار الرسالة"
أفتقد القاضي العادل "دشين"، كان قيّماً على العدالة لم يكن يبعد عنها أبداً إلى ضلال، وأولاده وحفدته مثله، هُم من أوقدوا نار القرآن بتدريسهم كتاب (الرسالة).
"وين أولاد جابر
الأربعة العلما الأكابر
جالسين على المنابر
علمونا الـ مانا خابر".
أفتقد أيضاً أولاد جابر الأربعة، هم أربعة علماء أكابر (وكانوا أحفاد غلام الله بن عائد الذي دَرَّس القرآن في دنقلا كأول عالم يدرّسه في دنقلا في السودان)، لقد علّمونا من الدين ما لَم نَعْلم.
"يا أبَّان طريقة مضللة
يا أبّان عملاً ما لِي الله
وَكِت العنقريب فوقكن يتبلَّ
ما بنفعكن كرين ود عبد الله".
يا صاحب الطريقة الدينية المضللة، يا مَن يعمل عملاً لا يرضى الله تعالى، فهو ليس لله، عندما يحملونكم إلى القبر تحتكم ماء غسل الجنازة، لن تنفعكم تلك الغرف الحديدية لود "ابن" عبدالله إن اختبأتم فيها.
في الحياة:
"آخر الزمان شوف الـ بقت النوق عن الشيل أدبرت
المحنة راحَت ما قَبَّلت الجَنا للوالدين جفت
العافية في الإيد ما اتلَقَت الحِرد كالخادم مَشَت
مَرَقَت براها اتكشَّفت راحوا الرجال بِقَت الجِتت
والصبح دروبو ادسدّست كيف يلحقوك فقر البخت
ربما تنبؤاً بالمستقبل هنا، ففي آخر الزمان أنظر إلى ما سيستجد؛ فالنياق لن يحملنَ وسقاً، ستبتَعِد المحنة، ويعصي الوالدان والديهم، لا عافية، فالحرائر يمشينَ متبرّجات کالجواري، يَمرُقن سافرات، والرجال معدومون، جُثثهم هي الباقية. لا قول صدق ولا حظوظ مواتية.
"آخر الزمان
السفر بالبيوت، والكلام بالخِيوت".
وفي قوله هذا نبوءة، فالسفر بالطائرة والقطار، والكلام بخيوط.
"الدنيا وردتني
في هواها دردرتني
وردتنی وسدرتنی
ما رتت لي، كبرتني"
الدنيا أصابتني بالحمى (الوِرده) وشغلتني، راحت إليَّ وجاءت، ماتأنَّت لي فقط صرتُ فيها عجوزاً.
"الدنيا وكت ترشك
ما تصدّقها تغشك
يوم تصدّ منك تَكُّشك
بي مناجلها تَحِشَّك"
حين تطيب الدنيا لك لا تصدّقها، فهي تغشّك تَرجَع عنك يوماً وتطردك، تَقطَعك من الأرض كالنبات.
في الذات:
تَفَاخَر أمامه شيخ يدعى محمد عبد الحي يختبره هَل سيتفاخر، قال:
"أنا محمد ود عبدالحي
أنا النجيض مانِي نَي"
انا.. أنا العاقل الذكيّ، أنا القويّ لست الضعيف وكان رد الشيخ:
"أنا فرح الوني
أول أَمري مِنّي
وموضوع في محلاّ شني
لو لا فضل ربي الغني
لا بَتلَمس لا بَندني"
أنا الضعيف أوّل خَلقِي المنيّ، كنت موضوعاً في موضع يَشين، وهو عُضو الرجل التناسلي، لو لا فضله تَعَالى ما اقتَرَب منه أحد ولا لمسه.
وفي اختباره حكاية أن أحد سلاطين سنار طلب من الصوفية والفقهاء تعليم بعيره القراءة والكتابة، وأسرعت حاشيته تسأل الفقهاء والصوفيين هذه المهمة، مروا عليهم يسألونهم فأبوا، وجاؤوا للشيخ فرح فرَضي، وسألوه: مستحيل أن تعلّم بعيراً القراءة والكتابة، كيف ذلك؟ فقال لهم، وقد أحضروا له البعير التلميذ بوعد بتعليمه القراءة والكتابة في أربع سنوات:
"أنا البطحاني
عارف الزماني
تمضي السنين الأربعة، وينفذ القدير
إما في الأمير وإما في الفقير وإما في البعير".
لفظ البطحاني، بالمد والكسر، يتوافق مع السجع، والزماني الزمان، ستمضي السنين الأربع، ويأتي الموت: للسلطان أو الفقير (نفسه) أو البعير.
والبطاحين من عرب أرض البطانة شرق الخرطوم، يحدسون أعمار الإبل بالحدس، والبعير الذكر من الإبل.
في النساء:
"فيهن و هيط مِتل السرير
قط في البلد ما ليه نظير
فيهن أغم من هو سغير
يتكازى زي دحش الحمير".
النساء التي تملأ الفراش، نسيجه وحدها، وفيهنّ التي ليس لها في الإنسانية منذ صغرها، المعانِدَة كالصغير من الحمير غير المُطاوعة، حيث لم تُطوَّع.
فيهن كفوت فيهن لفوت
إنت تَجي من الخلا
هي تجي من البيوت
لا تديك مقوت
ولا تخلي كلمة تفوت".
فيهن من ذات مَشيٍ قبيح، وفيهن من تتلفَّت هل ينظر الناس إليها؟، وفيهنَّ من تلفّ البيوت، أنت تأتي مُرهَقَاً من العمل في الزراعة، وهي تأتي من البيوت، لم تكن أعدَّت طعاماً تقدّمه لك، وإن تكلَّمَتَ رَدَّت عليك بما هو أقبح.
"بنت الحرام وجع السدر
خلطت بخور صندل ضفر
قالت سلام أهل الحذر
وفي رايا معناياً كُتُر".
البنت التي وُلِدَت سفاحاً تُوجع القلب، تخلط من الروائح العطرة النفَّاذة البخور والصندل والضفر، تَخرُج سافرةً تُسلّم حتى على المتعففين، وفي ذهنها حاجات لها ليست بريئة وغريبة.
"فيهِن دهب مخزون قديم
فيهن نحاس خارج رميم
فيهن عقارب ساكنين هشيم".
فيهن ذهبٌ مدخور لوقت الحاجة له زمن طويل، وفيهنّ نحاس أُخرج من التراب فهو تراب، وفيهنَّ عقارب جائعة للَّدغ.
"مين داير حمامة
قال تحصل تدامة
النسوان كرامة
زوجوهنّ يا وهامة"
قال هذا ساعياً بين الناس دمعة ابنته التي بلغت مبلغ الزواج (من الذي يتزوج شابة كالحمامة) جميلة، إن الزواج بها سُتر، من لم يتزوجها سيندم. الزواج يأتي بكرامته فتزوجوا بها أيها الواهمون.
في الرجال:
"الرجال فيهن بحور
فيهم رخم فيهم صقور
فيهم ردي ولدة نكور
ضاع عمرو في شرب الخمور"
الرجال فيهم من هو عميق لا تُدرك أنت أغواره، وفيهم من هم كمثل الرخم يأكل الجثث، وفيهم من هم كالصقور تأكل مما اصطادت، وفيهم الرديء الذي كان ينكره والده، أي من يضيّع عمره في شرب الخمر.
"نعم الرجال أهل العقول
تبعوا النصوص ما هُن غفول
ما هموا بالنوم والأكول
مثل الجبال وسط السهول"
أفضل الرجال أهل العقول هم من تبعوا نصوص القرآن في حياتهم، من هم ليسوا غافلين، لا الرجال الذين همهم النوم والأكل هم كالجبال واضحون في الأرض.
"الرجال فيهن كلوس
فيهن غنم فيهن تيوس
فيهن شقى ولدة نحوس
ضاع عمرو في شرب الكدوس"
فيهم الأقوياء الكرام، وفيهم غنم وتيوس أزواجاً لها، وفيهم الشقي مضيِّع الخير كابنٍ منحوس، يضيّع عمره في شرب التبغ بالكدوس.
في السلاطين:
"دب الأمير ان ما صدف
ترك المغايس والحنق
دب الأمير إن ما عِرف
من العديل ما بنحرف".
لعن الله الأمير إن لم يصدق في قوله "عمله"، وإن لم يحاسب في الرعية ما يمغصهم ويجعلهم غاضبين، إن لم يكن على معارف ووعي وإن لم يتنحَّ عن ما هو صواب.
"دب الأمير إن ما اتقى
واقبل على دار البقا
دب الأمير إن طلق الدرب
شال عصاتو ودخل الحرب"
لعنة الله على الأمير "السلطان" إن لم يكن تقيَّاً، وأقبل بذنوبه إلى الآخرة، ولعنة عليه إن حامَ في البلدان دونما داعٍ، واحتَقَب عصاة ودخل الحرب دون سلاحٍ كافٍ.
وكان أحد ملوك سنار -فيما يُقَال- قد أرسل مندوباً له يطلب منه مخرجاً دينيَّاً يَتزوَّج به ابنته الجميلة، ضنَّاً أن يتزوجها غيره وليسعد بها. وقال المندوب له طلب السلطان، فقال له الشيخ فرح:
"قول للملك
زوجنا لك ابنتك الكبيرا
بي سُنّة البغال والحميرا".
قل له: زوَّجناك بنتك الكبيرة على سنة البغال والحمير.
هكذا كانت سيرة الشيخ فرح ود تكتوك في أقواله التي كان يُحدِّد مواقيتها إثارةً لشوق العامَّة لما يقول.
حكايتان عنه:
شاعَ في زمان الشيخ فرح قولٌ عنه إنه لا يكذب أبداً، خاصَّةً وأن الرعيَّة في الدولة السناريَّة وسلاطينها وخاصّتها عاشت على رِقَّة الدين. الحكاية أن ابنته تنازَعَت مع زوجها وهَجَرت بيته، وعادت إلى بيت أبيها الشيخ فرح، سألها أبوها فحَكَت له أنها هَجَرته. سَكَت الشيخ فرح مُرحِّباً بها حتى إذا كان يوم جاءها الشيخ -أبوها- يحمل إبريقه ويَبكِي بحرقة.
قالت له ابنته: مالك يا أبي لم هذا البكاء؟
قال:انظري إبريقي، حبيبي، الذي يحمل ماء وضوئي، انكسر انظري، لقد انكسر.
قالت البنت: يا أبي، تبكي على إبريق؟ إبريق من الطين يا أبي لا تبكِ على شيءٍ كهذا. يمكن أن تجد -الآن- إبريقاً أفضل منه. وما بين دموعه قال لها: لقد رافقني إبريقي هذا زمناً طويلاً، أقول لك إنه كان رفيقي. لقد رأى عورتي وسَتَرني، وهنا فَهِمت ابنته مغزى كلامه وعادت إلى زوجها.
في القول الشائع إن الشيخ فرح لا يكذب، اجتمعت ثُلَّة من الناس وتداولوا ما عليه الشيخ من الصدق. قالوا: كيف لا يكذب في مناخٍ مليء بالأكاذيب. طال جدالهم كانت خلاصته أن يحملوه على الكذب. اتفقوا في أن يأتوا بعنزة وجزّ صوفها من جهة اليمين وترك الشمال بلا جزّ، ويطردوا العنزة بحيث تمرّ أمامه بالشقّ المَجزوز؛ طَردوها فسارت أمامهم وهم يرونها من مخبأ بعيد. وأرسلوا اثنين يسألانه عن معزة (مَجزورة) مرَّت أمامه، ذهب الاثنان وتقدم واحدٌ منهما يسأل الشيخ:
- أيها الشيخ، هل رأيت معزة مجزورة الصوف مَرَّت من هنا؟ إننا نَبحثُ عنها.
- فقال الشيخ: نعم مرَّت أمامي معزة مجزوزة في الشقّ اليمين، لكنّي لم أَرَ شقّها الآخر، مجزورة أم لا!٧.
الخلاصة التي نخرج بها في هذا البحث هي أن الشيخ فرح ود تكتوك:
- دعم اللغة العامية الهجين بلغة سهلة اعتمدها العامة.
- ساهَم في تحريك ذاكرات العامَّة وعقولهم وفَهم الحياة.
- القوَّة التي دَفَع بها أقواله وأفعاله لم تكن لذاته بل للناس.
أنه كان جريئاً صادماً في مساهمته التي -لا شك- قادت الحُكَّام في دولة سنار للاستقامة.
صورة الغلاف: يافطة بتاريخ ميلاد ووفاة الشيخ فرح. ٢٠١٩ © محمد قرقوري
المراجع:
١ عبدالهادي الصديق - أصول الشعر السوداني، دار جامعة الخرطوم للنشر 1989 ص 23.
٢ د. شوقي ضيف – تاريخ الأدب العربي- العصر الجاهلي – دار المعارف للنشر بمصر بدون تاريخ نشر ص 120.
٣ د. مصطفى محمد أحمد الصافي -جريدة أجراس الحرية – الخرطوم 2010\10\16.
٤ د. محمود محمد قلندر – العبقرية الاتصالية للشيخ فرح ود تكتوك.
٥ مجلة الدراسات الإفريقية – دار نشر جامعة إفريقيا العالمية – ص 192 وما بعدها.
٦ محمد نور بن ضيف الله – كتاب الطبقات في نصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان – تحقيق يوسف فضل حسن – دار سادانكس – الخرطوم – ط4 ص 311.
٧ ميرغني ديشاب – البطاحين: تاريخهم وشعرهم وشعرائهم – دار مطابع السودان للعملة –م2016–ص83-97.
الشيخ فَرَح وَد تَكتُوك
إسهامُ الصوفيّّ في وعي العَامَّة
مقدمة
في هذا البحث، نُورد سيرة الشيخ فرح ود تكتوك الذي كان وعيه الإيجابيّ قد انساق إليه أهل السودان في زمانه. كان مولده حوالي عام ١٦٠٤م تقريباً. وهو من قبيلة البطاحين العربية التي تتركَّز الآن شرق الخرطوم العاصمة. كان صوفياً. لكنه لم يكن مثل من انشغلوا بعطايا المال والأراضى الواسعة والرقيق هبةً لهم من سلاطين دولة الفونج (١٥٠٤ -١٨٢١).
وهو - تاركاً وراءه ما يَطلُب أمثالُه الدنيا وعمل على نشر الوعي بين العامة. وقد امتدت آثاره إلى ما بعد مماته حتى الآن. وكان قد وُهب أرضاً واسعة تقديراً له لكنّه قسَّمها لحواريه، تلاميذه.
كانت العامية العربية في السودان لغة هجيناً اختلطت بثوب من اللهجات الإفريقية غير العربية. ففي هجرة العرب إلى السودان منذ معاهدة البقط عام ٦٥٢م كهجرة أولى، لم تكن للعرب مقدرة على التواصل اللغوي مع أهل البلاد النوبيين، ولا للنوبيين مقدرة على التواصل معهم. خاصة وأن العرب الأوائل كانوا من قبائل جهينة القحطانية في جنوب الجزيرة العربية اليمن. وقد كانت اللغات التي جاءوا بها إلى السودان ثلاث هي، الحميرية والنبطية والحضرمية١. ولم تكن هذه اللغات لغات عربية٢. وقد تلاشت في بلادها - في اليمن - كما تلاشت عند قبائل جهينة الذين يشغلون الكثرة الكاثِرة في عرب السودان.
كان الصوفيَّة في السودان -رغم كل شيء- يُشَكِّلون طبقةَ العلماء. وقد درس الشيخ فرح ود تكتوك على يد عالِمَيْن منهم هما الشيخان أرباب العقائد، الذي له كتاب (الجواهر) في العقائد الدينية في لغة عربية ناصعة، والشيخ ابن عمار الخطيب. وكلٌّ منهما كان قد دَرَس في الحجاز والأزهر بمصر. وكانا مُتَقَدِّمَين عِلمَاً ولغةً عربية. وعلمٌ دينيٌّ وافر. ولذا سبق الشيخ فرح ود تكتوك بقية الصوفيين بإنتاجه اللغوي المبهر. لم تكن اللغة العربية الفصحى معروفة في السودان في زمانه. لكنه اختار مستوىً لغويَّاً خاصَّاً به ما بين العربية الفصحى والعامية السودانية الهجين.
يقول د. مصطفى محمد أحمد الصافي: (إن عامَّة الناس في مجتمع سنار٣ لم تكن تُحسِن العربية الفصحى حديثاً ولا قراءة، لأنهم هجين عربي إفريقي. ولذلك فإن اللسان المناسب لمخاطبتهم هو اللسان المُستند إلى العامية الدارجة، ولكن، حتى تصبح العربية الدارجة جذَّابةً آسرة، فلابد لها من اتّباع أساليب البلاغة المتعارف عليها في الفصحى من مُحسّنات ووشي الكلام، بما يشدّ إليها المستمع. وقد اختار الشيخ فرح من تلك المحسنات ما هو أكثرها إمتاعاً وهو السجع، لوقوعه في منزلة قريبة من الشعر٤.
ويقول الدكتور محمود محمد قلندر: (إن الشيخ فرح قد درس اللغة العربية دراسة مستوفية على يد عددٍ مع العلماء والفقراء، خاصَّة عمار بن الخطيب الذي اشتهر بتمكنه في العربية، فهو بذلك كان على علمٍ ودراية تامة بكافة أركان البلاغة من بيانٍ ومعانٍ وبديع، فالقارئ لتراثه يَلمَح وضوح تَمَكُّنه من أساليب البيان المعروفة.
إن عامَّة الناس في مجتمع سنار لم تكن تحسن العربية الفصحى حديثاً ولا قراءة، وكان موقع السجع و أهميّته كأسلوبٍ من أساليب شدّ الانتباه وضمان تعرض المتلقي للرسالة مؤكد ومشهود، والواقع أن شُهرة الشيخ فرح ومكانته في التاريخ الثقافي السوداني استنَدَت على الحِكم والأقوال والتعليقات المجموعة التي كان يبثّ بها رسائله، ويبلّغ عبرها دَعوته الإصلاحية، فلم يكن الشيخ فرح ذا معجزات وكرامات كما كان غيره من شيوخ المجتمع السناريّ، بل كانت معجزة الشيخ فرح الوحيدة في بيانه الساحر القائم على براعته في السجع وفي صياغة المعاني السلسة السهلة الممتنعة. وقد حاول بعض مريديه أن يبلغوا بعض الكرامات، إلا انه لم يَسِر سَير الصوفيين الذين حاول المريدون تساوي الشيخ فرح بهم٥.
على الرغم من عبقرية الشيخ فرح وسيرورة سيرته حتى الآن، وترداد أقواله حتى الآن، وتَمَثُّل أفعاله لدى العامة والخاصة؛ إلا أن سيرته صارت محفورة في كتاب الطبقات. قيل فيها (هو الشيخ فرح ود تكتوك البطحاني، درس العقائد على يد الفقيه أرباب ولازَم الخطيب عماد وقرأ عليه علم العربية. وكان شاعراً ماهراً، وكلامه مطرباً جاذباً للقلوب. وله كلام في التفسير والتوحيد والأدب، وكان يرخّص الدنيا، ونَعَى فيها جميع العلماء والصالحين في قوله: وين أولاد جابر. وأسلم على يديه بعض النصاري ودُفِن في شرق سنار، وقبره ظاهر يزار)٦. والسودانيون یزورون قبور الشيوخ على رغم أنهم من أولياء الله الصالحين.
وتأتي أقوال الشيخ فرح ود تكتوك في معالجة مسار الناس في محاور هي:
العمل والإنتاج:
قال يحث عليها:
"في الخريف كتّر حشيشك
وفي الصيف كتر طشيشك
كان خليت حمارة دريشك
الدنائة ما بِتعِيشَك".
الخريف زمن الزراعة المطريَّة. وعلى المُزَارع، أن يُنَظِّف زراعته من الحشائش الطفيلية الضارة بها. وفي الصيف، ليس لك عمل فأنت حي ولتأكل حمارتك جيداً، أعطها العيش (الذرة)، لا تكن دنيئاً دونها فالدناءة لن تأتي لك بالخير.
"اِحفر التَّرس واَطْبُق المُحفار
وارضَى بالخدمة في النّهار الحَار
يرضَى عليك الواحد القهار"
قُم بحفر حدود أرضك التي ستزرعها بالمطر، عَمِّق ما تَحفِر به، قُم بذلك حتى تحت شمس النهار الحارة، لهذا يرضى الله تعالى عليك.
"الحَرَّات بدورو ربنا القدوس
قَدَحو في المَلم معوس
في الدنيا جابو لوال في العِلب مدسوس
واِن مَات سَاقوهو لي جنة الفردوس"
الحَرَّاث (المزارع الذي يحرث الأرض) يحبه الله تعالى. لا يَتخالف عن تقديم طعامه في الجَمع من الناس، تَرَحَاً كان أم فَرحاً، في الدنيا هو صاحب الذهب المصون في العلب لوقت حاجة، وفي الآخرة مصيره جنة الفردوس.
"العيش ها يَا العيش
هاني يا الخُمري
الـ داخرك لي عمري
يا الـ بتغدَّى بيك
وبتعشى بيك
واَصبِح مشتهيك".
أيها العيش (الذرة)، أنت جالب الهناء لونك الخمري، ادّخرك طول عمري، أتغدَّى بك، وأتعشَّى بك، وأصبح مشتهيك.
"يا أيد البدري
صَلّي بدري، أزرعي بدري
حِشِّي بدري، أَحصِدي بدري
شوفي كان تنقَدري".
أيّتها اليد العاملة سابقة الغير، صلّي في وقتها (الصبح) واسبِقى غيرك عاملةً في زراعتك، اِجمعي ما حَشّيت مُبَكِّراً، وخُذي حصادك وتأمّلي، لن يعلو عليك أحد في المال والغنى.
"العيش قال لي
كان بِعْتَ نُوم عينيك
أنا مالي بيك؟"
قال العيش لي: إن بعت مَحصُولك مني، مالذي يعنيني لحياتك، ادّخرني ولا تَبِعني.
في الدين:
وين دشين قاضي العدالة
الـ ما بْمِيل للضلالة
نَسْلُه نِعْم السلالة
الـ أوقدوا نار الرسالة"
أفتقد القاضي العادل "دشين"، كان قيّماً على العدالة لم يكن يبعد عنها أبداً إلى ضلال، وأولاده وحفدته مثله، هُم من أوقدوا نار القرآن بتدريسهم كتاب (الرسالة).
"وين أولاد جابر
الأربعة العلما الأكابر
جالسين على المنابر
علمونا الـ مانا خابر".
أفتقد أيضاً أولاد جابر الأربعة، هم أربعة علماء أكابر (وكانوا أحفاد غلام الله بن عائد الذي دَرَّس القرآن في دنقلا كأول عالم يدرّسه في دنقلا في السودان)، لقد علّمونا من الدين ما لَم نَعْلم.
"يا أبَّان طريقة مضللة
يا أبّان عملاً ما لِي الله
وَكِت العنقريب فوقكن يتبلَّ
ما بنفعكن كرين ود عبد الله".
يا صاحب الطريقة الدينية المضللة، يا مَن يعمل عملاً لا يرضى الله تعالى، فهو ليس لله، عندما يحملونكم إلى القبر تحتكم ماء غسل الجنازة، لن تنفعكم تلك الغرف الحديدية لود "ابن" عبدالله إن اختبأتم فيها.
في الحياة:
"آخر الزمان شوف الـ بقت النوق عن الشيل أدبرت
المحنة راحَت ما قَبَّلت الجَنا للوالدين جفت
العافية في الإيد ما اتلَقَت الحِرد كالخادم مَشَت
مَرَقَت براها اتكشَّفت راحوا الرجال بِقَت الجِتت
والصبح دروبو ادسدّست كيف يلحقوك فقر البخت
ربما تنبؤاً بالمستقبل هنا، ففي آخر الزمان أنظر إلى ما سيستجد؛ فالنياق لن يحملنَ وسقاً، ستبتَعِد المحنة، ويعصي الوالدان والديهم، لا عافية، فالحرائر يمشينَ متبرّجات کالجواري، يَمرُقن سافرات، والرجال معدومون، جُثثهم هي الباقية. لا قول صدق ولا حظوظ مواتية.
"آخر الزمان
السفر بالبيوت، والكلام بالخِيوت".
وفي قوله هذا نبوءة، فالسفر بالطائرة والقطار، والكلام بخيوط.
"الدنيا وردتني
في هواها دردرتني
وردتنی وسدرتنی
ما رتت لي، كبرتني"
الدنيا أصابتني بالحمى (الوِرده) وشغلتني، راحت إليَّ وجاءت، ماتأنَّت لي فقط صرتُ فيها عجوزاً.
"الدنيا وكت ترشك
ما تصدّقها تغشك
يوم تصدّ منك تَكُّشك
بي مناجلها تَحِشَّك"
حين تطيب الدنيا لك لا تصدّقها، فهي تغشّك تَرجَع عنك يوماً وتطردك، تَقطَعك من الأرض كالنبات.
في الذات:
تَفَاخَر أمامه شيخ يدعى محمد عبد الحي يختبره هَل سيتفاخر، قال:
"أنا محمد ود عبدالحي
أنا النجيض مانِي نَي"
انا.. أنا العاقل الذكيّ، أنا القويّ لست الضعيف وكان رد الشيخ:
"أنا فرح الوني
أول أَمري مِنّي
وموضوع في محلاّ شني
لو لا فضل ربي الغني
لا بَتلَمس لا بَندني"
أنا الضعيف أوّل خَلقِي المنيّ، كنت موضوعاً في موضع يَشين، وهو عُضو الرجل التناسلي، لو لا فضله تَعَالى ما اقتَرَب منه أحد ولا لمسه.
وفي اختباره حكاية أن أحد سلاطين سنار طلب من الصوفية والفقهاء تعليم بعيره القراءة والكتابة، وأسرعت حاشيته تسأل الفقهاء والصوفيين هذه المهمة، مروا عليهم يسألونهم فأبوا، وجاؤوا للشيخ فرح فرَضي، وسألوه: مستحيل أن تعلّم بعيراً القراءة والكتابة، كيف ذلك؟ فقال لهم، وقد أحضروا له البعير التلميذ بوعد بتعليمه القراءة والكتابة في أربع سنوات:
"أنا البطحاني
عارف الزماني
تمضي السنين الأربعة، وينفذ القدير
إما في الأمير وإما في الفقير وإما في البعير".
لفظ البطحاني، بالمد والكسر، يتوافق مع السجع، والزماني الزمان، ستمضي السنين الأربع، ويأتي الموت: للسلطان أو الفقير (نفسه) أو البعير.
والبطاحين من عرب أرض البطانة شرق الخرطوم، يحدسون أعمار الإبل بالحدس، والبعير الذكر من الإبل.
في النساء:
"فيهن و هيط مِتل السرير
قط في البلد ما ليه نظير
فيهن أغم من هو سغير
يتكازى زي دحش الحمير".
النساء التي تملأ الفراش، نسيجه وحدها، وفيهنّ التي ليس لها في الإنسانية منذ صغرها، المعانِدَة كالصغير من الحمير غير المُطاوعة، حيث لم تُطوَّع.
فيهن كفوت فيهن لفوت
إنت تَجي من الخلا
هي تجي من البيوت
لا تديك مقوت
ولا تخلي كلمة تفوت".
فيهن من ذات مَشيٍ قبيح، وفيهن من تتلفَّت هل ينظر الناس إليها؟، وفيهنَّ من تلفّ البيوت، أنت تأتي مُرهَقَاً من العمل في الزراعة، وهي تأتي من البيوت، لم تكن أعدَّت طعاماً تقدّمه لك، وإن تكلَّمَتَ رَدَّت عليك بما هو أقبح.
"بنت الحرام وجع السدر
خلطت بخور صندل ضفر
قالت سلام أهل الحذر
وفي رايا معناياً كُتُر".
البنت التي وُلِدَت سفاحاً تُوجع القلب، تخلط من الروائح العطرة النفَّاذة البخور والصندل والضفر، تَخرُج سافرةً تُسلّم حتى على المتعففين، وفي ذهنها حاجات لها ليست بريئة وغريبة.
"فيهِن دهب مخزون قديم
فيهن نحاس خارج رميم
فيهن عقارب ساكنين هشيم".
فيهن ذهبٌ مدخور لوقت الحاجة له زمن طويل، وفيهنّ نحاس أُخرج من التراب فهو تراب، وفيهنَّ عقارب جائعة للَّدغ.
"مين داير حمامة
قال تحصل تدامة
النسوان كرامة
زوجوهنّ يا وهامة"
قال هذا ساعياً بين الناس دمعة ابنته التي بلغت مبلغ الزواج (من الذي يتزوج شابة كالحمامة) جميلة، إن الزواج بها سُتر، من لم يتزوجها سيندم. الزواج يأتي بكرامته فتزوجوا بها أيها الواهمون.
في الرجال:
"الرجال فيهن بحور
فيهم رخم فيهم صقور
فيهم ردي ولدة نكور
ضاع عمرو في شرب الخمور"
الرجال فيهم من هو عميق لا تُدرك أنت أغواره، وفيهم من هم كمثل الرخم يأكل الجثث، وفيهم من هم كالصقور تأكل مما اصطادت، وفيهم الرديء الذي كان ينكره والده، أي من يضيّع عمره في شرب الخمر.
"نعم الرجال أهل العقول
تبعوا النصوص ما هُن غفول
ما هموا بالنوم والأكول
مثل الجبال وسط السهول"
أفضل الرجال أهل العقول هم من تبعوا نصوص القرآن في حياتهم، من هم ليسوا غافلين، لا الرجال الذين همهم النوم والأكل هم كالجبال واضحون في الأرض.
"الرجال فيهن كلوس
فيهن غنم فيهن تيوس
فيهن شقى ولدة نحوس
ضاع عمرو في شرب الكدوس"
فيهم الأقوياء الكرام، وفيهم غنم وتيوس أزواجاً لها، وفيهم الشقي مضيِّع الخير كابنٍ منحوس، يضيّع عمره في شرب التبغ بالكدوس.
في السلاطين:
"دب الأمير ان ما صدف
ترك المغايس والحنق
دب الأمير إن ما عِرف
من العديل ما بنحرف".
لعن الله الأمير إن لم يصدق في قوله "عمله"، وإن لم يحاسب في الرعية ما يمغصهم ويجعلهم غاضبين، إن لم يكن على معارف ووعي وإن لم يتنحَّ عن ما هو صواب.
"دب الأمير إن ما اتقى
واقبل على دار البقا
دب الأمير إن طلق الدرب
شال عصاتو ودخل الحرب"
لعنة الله على الأمير "السلطان" إن لم يكن تقيَّاً، وأقبل بذنوبه إلى الآخرة، ولعنة عليه إن حامَ في البلدان دونما داعٍ، واحتَقَب عصاة ودخل الحرب دون سلاحٍ كافٍ.
وكان أحد ملوك سنار -فيما يُقَال- قد أرسل مندوباً له يطلب منه مخرجاً دينيَّاً يَتزوَّج به ابنته الجميلة، ضنَّاً أن يتزوجها غيره وليسعد بها. وقال المندوب له طلب السلطان، فقال له الشيخ فرح:
"قول للملك
زوجنا لك ابنتك الكبيرا
بي سُنّة البغال والحميرا".
قل له: زوَّجناك بنتك الكبيرة على سنة البغال والحمير.
هكذا كانت سيرة الشيخ فرح ود تكتوك في أقواله التي كان يُحدِّد مواقيتها إثارةً لشوق العامَّة لما يقول.
حكايتان عنه:
شاعَ في زمان الشيخ فرح قولٌ عنه إنه لا يكذب أبداً، خاصَّةً وأن الرعيَّة في الدولة السناريَّة وسلاطينها وخاصّتها عاشت على رِقَّة الدين. الحكاية أن ابنته تنازَعَت مع زوجها وهَجَرت بيته، وعادت إلى بيت أبيها الشيخ فرح، سألها أبوها فحَكَت له أنها هَجَرته. سَكَت الشيخ فرح مُرحِّباً بها حتى إذا كان يوم جاءها الشيخ -أبوها- يحمل إبريقه ويَبكِي بحرقة.
قالت له ابنته: مالك يا أبي لم هذا البكاء؟
قال:انظري إبريقي، حبيبي، الذي يحمل ماء وضوئي، انكسر انظري، لقد انكسر.
قالت البنت: يا أبي، تبكي على إبريق؟ إبريق من الطين يا أبي لا تبكِ على شيءٍ كهذا. يمكن أن تجد -الآن- إبريقاً أفضل منه. وما بين دموعه قال لها: لقد رافقني إبريقي هذا زمناً طويلاً، أقول لك إنه كان رفيقي. لقد رأى عورتي وسَتَرني، وهنا فَهِمت ابنته مغزى كلامه وعادت إلى زوجها.
في القول الشائع إن الشيخ فرح لا يكذب، اجتمعت ثُلَّة من الناس وتداولوا ما عليه الشيخ من الصدق. قالوا: كيف لا يكذب في مناخٍ مليء بالأكاذيب. طال جدالهم كانت خلاصته أن يحملوه على الكذب. اتفقوا في أن يأتوا بعنزة وجزّ صوفها من جهة اليمين وترك الشمال بلا جزّ، ويطردوا العنزة بحيث تمرّ أمامه بالشقّ المَجزوز؛ طَردوها فسارت أمامهم وهم يرونها من مخبأ بعيد. وأرسلوا اثنين يسألانه عن معزة (مَجزورة) مرَّت أمامه، ذهب الاثنان وتقدم واحدٌ منهما يسأل الشيخ:
- أيها الشيخ، هل رأيت معزة مجزورة الصوف مَرَّت من هنا؟ إننا نَبحثُ عنها.
- فقال الشيخ: نعم مرَّت أمامي معزة مجزوزة في الشقّ اليمين، لكنّي لم أَرَ شقّها الآخر، مجزورة أم لا!٧.
الخلاصة التي نخرج بها في هذا البحث هي أن الشيخ فرح ود تكتوك:
- دعم اللغة العامية الهجين بلغة سهلة اعتمدها العامة.
- ساهَم في تحريك ذاكرات العامَّة وعقولهم وفَهم الحياة.
- القوَّة التي دَفَع بها أقواله وأفعاله لم تكن لذاته بل للناس.
أنه كان جريئاً صادماً في مساهمته التي -لا شك- قادت الحُكَّام في دولة سنار للاستقامة.
صورة الغلاف: يافطة بتاريخ ميلاد ووفاة الشيخ فرح. ٢٠١٩ © محمد قرقوري
المراجع:
١ عبدالهادي الصديق - أصول الشعر السوداني، دار جامعة الخرطوم للنشر 1989 ص 23.
٢ د. شوقي ضيف – تاريخ الأدب العربي- العصر الجاهلي – دار المعارف للنشر بمصر بدون تاريخ نشر ص 120.
٣ د. مصطفى محمد أحمد الصافي -جريدة أجراس الحرية – الخرطوم 2010\10\16.
٤ د. محمود محمد قلندر – العبقرية الاتصالية للشيخ فرح ود تكتوك.
٥ مجلة الدراسات الإفريقية – دار نشر جامعة إفريقيا العالمية – ص 192 وما بعدها.
٦ محمد نور بن ضيف الله – كتاب الطبقات في نصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان – تحقيق يوسف فضل حسن – دار سادانكس – الخرطوم – ط4 ص 311.
٧ ميرغني ديشاب – البطاحين: تاريخهم وشعرهم وشعرائهم – دار مطابع السودان للعملة –م2016–ص83-97.