لغات غير مكتوبة
نتواصل بطرق مختلفة واللغات المنطوقة هي أكثر ما نعرفه، ولكن إذا فكرت في الأمر، فإن إرسال رسالة ينطوي على أكثر من ذلك بكثير.

الدور الثقافي والحواري للطبق

الدور الثقافي والحواري للطبق
الطبق هو غطاء تقليديّ للطعام مَنسوج من جريد النخل والأعشاب الطويلة، وهو أداة مُتجذِّرة بعمق في الثقافة السودانية، خاصة في منطقة دارفور. تتم صناعة ونسج الطبق بشكل أساسي بواسطة النساء، وهو ليس مجرد أداة عملية للاستعمال المنزلي فحسب بل يُمثِّل رمزاً ثقافياً، وهو أيضاً وسيلة فريدة للتواصل. تتم صناعة هذا النوع الفريد من السِلال باستخدام موادٍّ محلية مثل أوراق النخيل والأعشاب، التي يتم صبغها ونَسجُها في أنماط مُعقَّدة وحيوية.
على الرغم من استخدامه لتغطية الطعام، فإن للطبق أهمية اجتماعية وثقافية أوسع، حيث كان يستخدم تاريخياً للتواصل مع القادة المحليين، بما في ذلك شخصيات مثل السلطان علي دينار من دارفور.
كان السلطان علي دينار، آخر حاكم مستقل لمملكة دارفور، يحكم في أوائل القرن العشرين حتى وفاته في عام ١٩١٦. كان علي دينار يحظى باحترام عميق من شعبه، وكحاكم كان يعتمد على الممارسات الثقافية والرمزية للمنطقة لفهم مشاعر واحتياجات رعاياه. كانت التصاميم المُعقَّدة المنسوجة في الطبق تُستخدم كوسيلة تواصل غير مباشرة وسَلِسَة. إذ كان الحرفيون يخلقون أنماطًا وألوانًا محدَّدة في الطبق لنقل رسائل مثل الاحترام، الولاء، أو الطلبات للسلطان. على سبيل المثال، قد ترمز أشكال هندسية معينة إلى الولاء لعلي دينار، بينما قد تشير ترتيبات الألوان الخاصة إلى طلبات للحماية أو المباركات لأمرٍٍ ما.
كانت هذه الطريقة في التواصل غير المباشر من خلال الحرف مهمّة بشكل خاص في مجتمع كان الوصول المباشر إلى القادة فيه محدودًا. بالنسبة لشعب دارفور، أصبح الطبق وسيلة تفاعل محترمة ولكن غير مباشرة مع السلطان. لعبت النساء، اللواتي كنَّ يقمن بنسج الطبق دورًا أساسيًا في الحفاظ على هذه التقاليد. من خلال تضمين الأنماط الرمزية في أعمالهنّ، ساهمت هؤلاء النساء في الحوارات المجتمعية والسياسية، حيث نقلن مشاعر المجتمع الجماعية دون الحاجة إلى التعبير اللفظيّ. بهذه الطريقة، لم يكن الطبق مجرد أداة منزلية، بل كان قطعة من التراث الثقافي التي تربط الناس بحاكمهم.
إن الحِرَفِيَّة المتضمنة في صنع الطبق تعكس خبرة النساء السودانيات في الحِرَف اليدوية، ودورهنَّ الأساسي في الحفاظ على المعرفة الثقافية ونقلها؛ إذ يتم نقل فن صناعة الطبق عبر الأجيال، مع إضافة كل فنانة وصانعة للطبق تفسيرها الخاص للأنماط. بعض الأشكال الهندسية والزخارف تُعتَبر مُعترفٌ بها عبر السودان، وقد تحمل معانٍ معينة. على سبيل المثال، يرمز نمط الشكل الماسي إلى الحماية، بينما تمثل التصاميم المتعرجة استمرارية الحياة. هذه الأنماط تعمل كلغة "منسوجة" تتحدث عن القيم الثقافية والاجتماعية والروحية للمجتمع.
على الرغم من أن الحداثة والتطور قد جلبتا تغييرات في الحياة اليومية في السودان، إلا أن الطبق لا يزال يحظى بتقدير، سواءً لاستخدامه الوظيفي في المنزل أو كرمز للتراث السوداني. فهو كقطعة من الفن والتقاليد، لا يزال يمثل براعة ومرونة الحرفيين السودانيين، الذين يمثل عملهم شهادة على التاريخ الاجتماعي وهوية مناطق السودان. ونرى إن ارتباطه بالسلطان علي دينار يضيف طبقة تاريخية هامة، مما يُبرز دور الطبق كأداة عملية وأداة تواصل في سياق المجتمع السوداني.
صورة الغلاف: سوق ابو جهل في مدينة الأبيض بمنطقة كردفان وهو سوق تقليدي قديم تباع فيه كل انواع الفواكه و البقوليات و الأعمال اليدوية بأشكالها المختلفة © عصام أحمد عبد الحفيظ
الطبق هو غطاء تقليديّ للطعام مَنسوج من جريد النخل والأعشاب الطويلة، وهو أداة مُتجذِّرة بعمق في الثقافة السودانية، خاصة في منطقة دارفور. تتم صناعة ونسج الطبق بشكل أساسي بواسطة النساء، وهو ليس مجرد أداة عملية للاستعمال المنزلي فحسب بل يُمثِّل رمزاً ثقافياً، وهو أيضاً وسيلة فريدة للتواصل. تتم صناعة هذا النوع الفريد من السِلال باستخدام موادٍّ محلية مثل أوراق النخيل والأعشاب، التي يتم صبغها ونَسجُها في أنماط مُعقَّدة وحيوية.
على الرغم من استخدامه لتغطية الطعام، فإن للطبق أهمية اجتماعية وثقافية أوسع، حيث كان يستخدم تاريخياً للتواصل مع القادة المحليين، بما في ذلك شخصيات مثل السلطان علي دينار من دارفور.
كان السلطان علي دينار، آخر حاكم مستقل لمملكة دارفور، يحكم في أوائل القرن العشرين حتى وفاته في عام ١٩١٦. كان علي دينار يحظى باحترام عميق من شعبه، وكحاكم كان يعتمد على الممارسات الثقافية والرمزية للمنطقة لفهم مشاعر واحتياجات رعاياه. كانت التصاميم المُعقَّدة المنسوجة في الطبق تُستخدم كوسيلة تواصل غير مباشرة وسَلِسَة. إذ كان الحرفيون يخلقون أنماطًا وألوانًا محدَّدة في الطبق لنقل رسائل مثل الاحترام، الولاء، أو الطلبات للسلطان. على سبيل المثال، قد ترمز أشكال هندسية معينة إلى الولاء لعلي دينار، بينما قد تشير ترتيبات الألوان الخاصة إلى طلبات للحماية أو المباركات لأمرٍٍ ما.
كانت هذه الطريقة في التواصل غير المباشر من خلال الحرف مهمّة بشكل خاص في مجتمع كان الوصول المباشر إلى القادة فيه محدودًا. بالنسبة لشعب دارفور، أصبح الطبق وسيلة تفاعل محترمة ولكن غير مباشرة مع السلطان. لعبت النساء، اللواتي كنَّ يقمن بنسج الطبق دورًا أساسيًا في الحفاظ على هذه التقاليد. من خلال تضمين الأنماط الرمزية في أعمالهنّ، ساهمت هؤلاء النساء في الحوارات المجتمعية والسياسية، حيث نقلن مشاعر المجتمع الجماعية دون الحاجة إلى التعبير اللفظيّ. بهذه الطريقة، لم يكن الطبق مجرد أداة منزلية، بل كان قطعة من التراث الثقافي التي تربط الناس بحاكمهم.
إن الحِرَفِيَّة المتضمنة في صنع الطبق تعكس خبرة النساء السودانيات في الحِرَف اليدوية، ودورهنَّ الأساسي في الحفاظ على المعرفة الثقافية ونقلها؛ إذ يتم نقل فن صناعة الطبق عبر الأجيال، مع إضافة كل فنانة وصانعة للطبق تفسيرها الخاص للأنماط. بعض الأشكال الهندسية والزخارف تُعتَبر مُعترفٌ بها عبر السودان، وقد تحمل معانٍ معينة. على سبيل المثال، يرمز نمط الشكل الماسي إلى الحماية، بينما تمثل التصاميم المتعرجة استمرارية الحياة. هذه الأنماط تعمل كلغة "منسوجة" تتحدث عن القيم الثقافية والاجتماعية والروحية للمجتمع.
على الرغم من أن الحداثة والتطور قد جلبتا تغييرات في الحياة اليومية في السودان، إلا أن الطبق لا يزال يحظى بتقدير، سواءً لاستخدامه الوظيفي في المنزل أو كرمز للتراث السوداني. فهو كقطعة من الفن والتقاليد، لا يزال يمثل براعة ومرونة الحرفيين السودانيين، الذين يمثل عملهم شهادة على التاريخ الاجتماعي وهوية مناطق السودان. ونرى إن ارتباطه بالسلطان علي دينار يضيف طبقة تاريخية هامة، مما يُبرز دور الطبق كأداة عملية وأداة تواصل في سياق المجتمع السوداني.
صورة الغلاف: سوق ابو جهل في مدينة الأبيض بمنطقة كردفان وهو سوق تقليدي قديم تباع فيه كل انواع الفواكه و البقوليات و الأعمال اليدوية بأشكالها المختلفة © عصام أحمد عبد الحفيظ

الطبق هو غطاء تقليديّ للطعام مَنسوج من جريد النخل والأعشاب الطويلة، وهو أداة مُتجذِّرة بعمق في الثقافة السودانية، خاصة في منطقة دارفور. تتم صناعة ونسج الطبق بشكل أساسي بواسطة النساء، وهو ليس مجرد أداة عملية للاستعمال المنزلي فحسب بل يُمثِّل رمزاً ثقافياً، وهو أيضاً وسيلة فريدة للتواصل. تتم صناعة هذا النوع الفريد من السِلال باستخدام موادٍّ محلية مثل أوراق النخيل والأعشاب، التي يتم صبغها ونَسجُها في أنماط مُعقَّدة وحيوية.
على الرغم من استخدامه لتغطية الطعام، فإن للطبق أهمية اجتماعية وثقافية أوسع، حيث كان يستخدم تاريخياً للتواصل مع القادة المحليين، بما في ذلك شخصيات مثل السلطان علي دينار من دارفور.
كان السلطان علي دينار، آخر حاكم مستقل لمملكة دارفور، يحكم في أوائل القرن العشرين حتى وفاته في عام ١٩١٦. كان علي دينار يحظى باحترام عميق من شعبه، وكحاكم كان يعتمد على الممارسات الثقافية والرمزية للمنطقة لفهم مشاعر واحتياجات رعاياه. كانت التصاميم المُعقَّدة المنسوجة في الطبق تُستخدم كوسيلة تواصل غير مباشرة وسَلِسَة. إذ كان الحرفيون يخلقون أنماطًا وألوانًا محدَّدة في الطبق لنقل رسائل مثل الاحترام، الولاء، أو الطلبات للسلطان. على سبيل المثال، قد ترمز أشكال هندسية معينة إلى الولاء لعلي دينار، بينما قد تشير ترتيبات الألوان الخاصة إلى طلبات للحماية أو المباركات لأمرٍٍ ما.
كانت هذه الطريقة في التواصل غير المباشر من خلال الحرف مهمّة بشكل خاص في مجتمع كان الوصول المباشر إلى القادة فيه محدودًا. بالنسبة لشعب دارفور، أصبح الطبق وسيلة تفاعل محترمة ولكن غير مباشرة مع السلطان. لعبت النساء، اللواتي كنَّ يقمن بنسج الطبق دورًا أساسيًا في الحفاظ على هذه التقاليد. من خلال تضمين الأنماط الرمزية في أعمالهنّ، ساهمت هؤلاء النساء في الحوارات المجتمعية والسياسية، حيث نقلن مشاعر المجتمع الجماعية دون الحاجة إلى التعبير اللفظيّ. بهذه الطريقة، لم يكن الطبق مجرد أداة منزلية، بل كان قطعة من التراث الثقافي التي تربط الناس بحاكمهم.
إن الحِرَفِيَّة المتضمنة في صنع الطبق تعكس خبرة النساء السودانيات في الحِرَف اليدوية، ودورهنَّ الأساسي في الحفاظ على المعرفة الثقافية ونقلها؛ إذ يتم نقل فن صناعة الطبق عبر الأجيال، مع إضافة كل فنانة وصانعة للطبق تفسيرها الخاص للأنماط. بعض الأشكال الهندسية والزخارف تُعتَبر مُعترفٌ بها عبر السودان، وقد تحمل معانٍ معينة. على سبيل المثال، يرمز نمط الشكل الماسي إلى الحماية، بينما تمثل التصاميم المتعرجة استمرارية الحياة. هذه الأنماط تعمل كلغة "منسوجة" تتحدث عن القيم الثقافية والاجتماعية والروحية للمجتمع.
على الرغم من أن الحداثة والتطور قد جلبتا تغييرات في الحياة اليومية في السودان، إلا أن الطبق لا يزال يحظى بتقدير، سواءً لاستخدامه الوظيفي في المنزل أو كرمز للتراث السوداني. فهو كقطعة من الفن والتقاليد، لا يزال يمثل براعة ومرونة الحرفيين السودانيين، الذين يمثل عملهم شهادة على التاريخ الاجتماعي وهوية مناطق السودان. ونرى إن ارتباطه بالسلطان علي دينار يضيف طبقة تاريخية هامة، مما يُبرز دور الطبق كأداة عملية وأداة تواصل في سياق المجتمع السوداني.
صورة الغلاف: سوق ابو جهل في مدينة الأبيض بمنطقة كردفان وهو سوق تقليدي قديم تباع فيه كل انواع الفواكه و البقوليات و الأعمال اليدوية بأشكالها المختلفة © عصام أحمد عبد الحفيظ

السينما السودانيَّة: رسائل وموضوعات

السينما السودانيَّة: رسائل وموضوعات
انطلقت بواكير السينما في السودان مضطلعة بوظيفة اتصاليَّة مباشرة مرتبطة بمكتب السكرتير الإداري لحكومة السودان. فقد استجلب عربة سينما متجولة من دولة كينيا عام ١٩٤٦م بغرض عرض الأفلام الدعائيَّة ذات الصلة المباشرة بالخطاب الحكومي أولاً، ثمَّ تطوَّرت وظيفتها قليلاً وأنتجت الأفلام التعليمية والإخبارية بعد ذلك، وقامت بعرض هذه الأفلام في المجتمعات المحلية مع الشرح والتعليق من المختصّين في الصحة والإرشاد الزراعي والتعليم، من خلال التجوال الميداني في قرى وحواضر المديريات السودانيَّة المختلفة دعماً لبرنامج تعليم الكبار وغيرها من البرامج الحكوميَّة.
آتت هذه التجربة ثمارها في خلق قاعدة اتصال مباشر تمَّ بعدها استجلاب عدد تسع عربات أخرى وإعدادها للعرض السينمائي المتجوِّل، وتمَّ بعد ذلك تعيين مشغِّلين ومعلقين لهذه العربات التي كانت تجوب ربوع البلاد على مدار السنة، مقدِّمة شرائط فيديو وثائقيَّة قصيرة سودانية. وفي العام ١٩٤٩م تمَّ إنشاء أول وحدة أفلام سينمائية سودانية ضمن مكتب الاستعلامات والعمل اضطلعت بمهمة إنتاج أفلام وثائقية وإعلامية لبعض أهم أحداث الحياة والمشروعات في السودان آنذاك.
إذا أعدنا النظر كرَّة في طبيعة الأفلام التي أُنتجت مع بداية الخمسينيات ضمن وظيفة اتصاليَّة تبحث عن طبيعة الرسائل الجادة غير الحكومية وغير المعدَّة لأغراض مباشرة؛ مثل وظائف الإرشاد والتعليم وغيرها، سنجد أنها ليس من بينها سوى فيلمين أو ثلاثة تنطوي على محاولات جادة بَعَثَت برسائل مهمة وتناولت مشاكل اجتماعيَّة أو سياسيَّة، حيث جرى التركيز على السينما التسجيلية دون الروائية أوَّلاً، وبَرَزت من بين تلك المحاولات التسجيلية الجادة في السينما السودانية بعض الأفلام القليلة كفيلم (الطفولة المشرّدة) الذي أخرجه "كمال محمد إبراهيم"، وتناول مشكلة الأطفال المشردين الذين ينزحون من الريف إلى المدينة، ويجدون أنفسهم غير قادرين على الانسجام مع إيقاع حياتها السريع ومتطلبات العمل المختلفة، فيقعون ضحية انحرافات السرقة وغيرها. أُنتِج هذا الفيلم بعد الاستقلال بين عامي ١٩٥٦م-١٩٥٧م، وأخرج بعده في ذات الاتجاه فيلم (المنكوب)، الذي صوَّره المخرج والمصوِّر السينمائي السوداني وقتها جاد الله جبارة مخرج فيلم (تور الجر في العيادة) بعدها.
خلال تلك الفترة، كانت أكثر الأفلام التسجيلية مركِّزة على النشاط الحكومي الرسمي وإنجازاته، دون أن تحمل أية معالجة سينمائية فنية متميزة تُمكِّنها من صناعة وتطوير رسائل فنيَّة/ اجتماعيَّة غير ذات طابع سياسي مباشر، لكنها في ذات الوقت تضمَّنت رسائل أخرى متصلة بالتعريف بمناطق السودان محاولة إبراز وجهه السياحي وموثِّقة لبعض أهم الأحداث السياسيَّة فجاءت أفلام من مثل (أحداث الجلاء واستقلال السودان)، (تهجير أهالي وادي حلفا)، (زيارة جبل مرَّة)، (مشروع الجزيرة)، (زيارة الرئيس عبود إلى الصين)، (رحلة الباخرة من كوستي إلى جوبا)، و(مؤتمر الملوك والرؤساء العرب) (اللاءات الثلاث).
أنتجت هذه الوحدة ما يقدَّر بأربعين ألف فيلم حسب شهادات بعض العاملين بها، وكانت تصدر فيلماً إخبارياً أُسبوعياً يوزع على دور السينما التجارية ليُعرض في الاستراحة.
في مكان آخر خارج مدينة الخرطوم، كان هنالك مصوِّر فوتوغرافي بارع نشأ في كنف مدينة عماليَّة تضجُّ بأصوات القطارات على شاطئ نهر عطبرة، درس النجارة بمدرسة الصنائع بأمدرمان، والتحق بورش سكك حديد السودان عام ١٩٤٩م، وسرعان ما ثار على نفسه واتجه نحو فن التصوير الفوتوغرافي. اقتنى كاميرا ماركة "آلمونيت" مبتاعاً إياها من مصوِّر إغريقي، وراح يلتقط بها بعض الصور لمعالم المدينة القديمة. أنشأ أوَّل أستديو تصوير فوتوغرافي بداية الخمسينيات، وبدأ في استجلاب الورق والأفلام لإقامة معمله الخاص، راسل شركة "كوداك" في لندن وزار فرعها في مصر عام ١٩٥٧م، وأقام معارض للتصوير وأسهم في صناعة أوَّل فيلم روائي سوداني طويل هو فيلم "آمال وأحلام" ١٩٧٠م من إخراج إبراهيم ملاسي، مُدشِّناً بذلك عهداً جديداً للسينما السودانيَّة التي ستشهد ميلاد جيل ثان برع في إخراج الأفلام السودانيَّة ذات الرسائل المهمة بعد أن تلقى دراسته في معاهد وكليَّات السينما المختلفة حول العالم؛ ابتداءً من ألمانيا، قبرص، مصر، الولايات المتحدة الأمريكيَّة وموسكو، وتنوعت أفلام هذا الجيل ما بين روائية وتسجيلية، وتتناول مواضيع ورسائل أقرب إلى حياة المواطن السوداني وهمومه ومشاكله اليوميَّة والتاريخيَّة، وبرز اهتمام آخر بإبراز التنوع الثقافي للسودان وتوثيق بعض العادات الثقافيَّة النادرة والقصص التراثية مثلما فعل "حسين شريف" ذلك في فيلم (جدع النار) ١٩٧٣م، أو فيلم الشاعر والمخرج علي عبد القوم عن طقس نسائي شهير هو طقس (الظار) ١٩٨٨م، أو فيلم (تاجوج) لجاد الله جبارة ١٩٨٠م.
جاء موضُوعُ فيلم جدع النَّار معرِّفاً بقبائل منطقة جنوب النيل الأزرق السُّودانيَّة. عَبَدت تلك القبائل النَّار والشَّمس في أزمان بعيدة. ولها طقوس متميزة أوان احتفالات الحصاد تتضمَّن الرَّقص والمهرجانات وطقوس أخرى عديدة تُمارس ضمن عادة أكبر تعرف بعادة "جدع النار" التي لا زالت تمارس عند كل خريف حتى يوم الناس هذا. شارك حسين شريف أيضاً مع عطيَّات الأبنودي في إخراج فيلم (يوميَّات في المنفى) الذي أنتجته في العام ١٩٩٣م المنظمة السُّودانيَّة لحقوق الإنسان، مُوثِّقةً لحكايات نزوح أفرادٍ ومجموعاتٍ من النَّاسِ يقدِّمُون شهاداتهم التاريخيَّة الخاصَّة بالفترة التي تَلت حدوثَ انقلاب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان عام ١٩٨٩م. حيث شهدت تلك الفترة هجرة كثيفة من السُّودانيِّين والسُّودانيَّات إلى مُختلفِ أرجاء العالم، فالسُّودان غَدا آناءِها مكانَاً طاردَاً لأهلِهِ وشَعْبِهِ كما هو الآن حاله أثناء حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣. وقد هاجرت الغالبيَّة العظمى من السُّودانيين والسُّودانيَّات حينذاك إلى مصر التي صُوِّرَ فيها ذاكَ الفيلم وبلغ عدد النازحين هناك، في وقتِ تصوير الفيلم المعني، ما يقارب الثلاثة ملايين وقتها.
تطوَّرت الرسائل الفنيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة مع الجيل اللاحق لهذا الجيل بشكل لافت، حيث اتخذت أبعاداً فلسفيَّة وجماليَّة متطوِّرة كما ظهر هذا الأمر في تجارب إبراهيم شداد، سليمان محمد إبراهيم والطيِّب مهدي. حيث عالجت أفلام إبراهيم شداد وعلى رأسها فيلم (إنسان) ١٩٩٤م قضايا وجوديَّة وفلسفيَّة دائماً، واتجهت مع هذا الفيلم لمناقشة أزمة قوانين سبتمبر ١٩٨٣م التي شرعها نظام الديكتاتور جعفر نميري في قالب قصصي بسيط وثَّق لجرائم وانتهاكات هذه القوانين، وأثرها على حياة بسطاء الناس ممن لم ينجوا من قطع الأيدي وبعض القوانين الجائرة المرتبطة بهذه التشريعات. وعالج الطيِّب مهدي في فيلم (الضريح) ١٩٧٧م ذات المشكلة من منظور مختلف، حيث نبَّه باكراً -وفي شبه نبوءة استباقيَّة- ما آلت إليه الأوضاع مع تجربة الإسلام السياسي في السودان ومشكلة استغلال الدين لخداع المجتمع. وقام "عبادي محجوب" و"جاد الله جبارة" بإخراج فيلم (بركة الشيخ) وهو فيلم روائي طويل، يحكي قصة دجال تمكن من السيطرة على عقول البسطاء في إحدى القرى السودانية من خلال ادعائه لبعض الكرامات. موضحاً الكيفيَّة التي يمكن بها استغلال الدين وسط بيئة مفقرة من العلم والمعرفة وما يمكن أن يقود إليه ذلك من مصائب كبيرة. وناقش فيلم (المحطة) ١٩٨٩م مشكلة طريق التطوُّر الرأسمالي والتنمية التي لا تضع بالاً للإنسان في مناطق الإنتاج والوفرة الاقتصاديَّة من خلال مشاهد بصريَّة غاية في التناقض. حيث عشرات المئات من الشاحنات الممتلئة بالسلع النقديَّة للصادر في مدينة زراعيَّة مثل مدينة القضارف، وأسرة فقيرة تقف على قراعة الطريق وهي تحمل مريضاً مسجياً على ظهر حمار ينتظر وسيلة نقل توصله إلى أقرب مشفى داخل المدينة!
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي
انطلقت بواكير السينما في السودان مضطلعة بوظيفة اتصاليَّة مباشرة مرتبطة بمكتب السكرتير الإداري لحكومة السودان. فقد استجلب عربة سينما متجولة من دولة كينيا عام ١٩٤٦م بغرض عرض الأفلام الدعائيَّة ذات الصلة المباشرة بالخطاب الحكومي أولاً، ثمَّ تطوَّرت وظيفتها قليلاً وأنتجت الأفلام التعليمية والإخبارية بعد ذلك، وقامت بعرض هذه الأفلام في المجتمعات المحلية مع الشرح والتعليق من المختصّين في الصحة والإرشاد الزراعي والتعليم، من خلال التجوال الميداني في قرى وحواضر المديريات السودانيَّة المختلفة دعماً لبرنامج تعليم الكبار وغيرها من البرامج الحكوميَّة.
آتت هذه التجربة ثمارها في خلق قاعدة اتصال مباشر تمَّ بعدها استجلاب عدد تسع عربات أخرى وإعدادها للعرض السينمائي المتجوِّل، وتمَّ بعد ذلك تعيين مشغِّلين ومعلقين لهذه العربات التي كانت تجوب ربوع البلاد على مدار السنة، مقدِّمة شرائط فيديو وثائقيَّة قصيرة سودانية. وفي العام ١٩٤٩م تمَّ إنشاء أول وحدة أفلام سينمائية سودانية ضمن مكتب الاستعلامات والعمل اضطلعت بمهمة إنتاج أفلام وثائقية وإعلامية لبعض أهم أحداث الحياة والمشروعات في السودان آنذاك.
إذا أعدنا النظر كرَّة في طبيعة الأفلام التي أُنتجت مع بداية الخمسينيات ضمن وظيفة اتصاليَّة تبحث عن طبيعة الرسائل الجادة غير الحكومية وغير المعدَّة لأغراض مباشرة؛ مثل وظائف الإرشاد والتعليم وغيرها، سنجد أنها ليس من بينها سوى فيلمين أو ثلاثة تنطوي على محاولات جادة بَعَثَت برسائل مهمة وتناولت مشاكل اجتماعيَّة أو سياسيَّة، حيث جرى التركيز على السينما التسجيلية دون الروائية أوَّلاً، وبَرَزت من بين تلك المحاولات التسجيلية الجادة في السينما السودانية بعض الأفلام القليلة كفيلم (الطفولة المشرّدة) الذي أخرجه "كمال محمد إبراهيم"، وتناول مشكلة الأطفال المشردين الذين ينزحون من الريف إلى المدينة، ويجدون أنفسهم غير قادرين على الانسجام مع إيقاع حياتها السريع ومتطلبات العمل المختلفة، فيقعون ضحية انحرافات السرقة وغيرها. أُنتِج هذا الفيلم بعد الاستقلال بين عامي ١٩٥٦م-١٩٥٧م، وأخرج بعده في ذات الاتجاه فيلم (المنكوب)، الذي صوَّره المخرج والمصوِّر السينمائي السوداني وقتها جاد الله جبارة مخرج فيلم (تور الجر في العيادة) بعدها.
خلال تلك الفترة، كانت أكثر الأفلام التسجيلية مركِّزة على النشاط الحكومي الرسمي وإنجازاته، دون أن تحمل أية معالجة سينمائية فنية متميزة تُمكِّنها من صناعة وتطوير رسائل فنيَّة/ اجتماعيَّة غير ذات طابع سياسي مباشر، لكنها في ذات الوقت تضمَّنت رسائل أخرى متصلة بالتعريف بمناطق السودان محاولة إبراز وجهه السياحي وموثِّقة لبعض أهم الأحداث السياسيَّة فجاءت أفلام من مثل (أحداث الجلاء واستقلال السودان)، (تهجير أهالي وادي حلفا)، (زيارة جبل مرَّة)، (مشروع الجزيرة)، (زيارة الرئيس عبود إلى الصين)، (رحلة الباخرة من كوستي إلى جوبا)، و(مؤتمر الملوك والرؤساء العرب) (اللاءات الثلاث).
أنتجت هذه الوحدة ما يقدَّر بأربعين ألف فيلم حسب شهادات بعض العاملين بها، وكانت تصدر فيلماً إخبارياً أُسبوعياً يوزع على دور السينما التجارية ليُعرض في الاستراحة.
في مكان آخر خارج مدينة الخرطوم، كان هنالك مصوِّر فوتوغرافي بارع نشأ في كنف مدينة عماليَّة تضجُّ بأصوات القطارات على شاطئ نهر عطبرة، درس النجارة بمدرسة الصنائع بأمدرمان، والتحق بورش سكك حديد السودان عام ١٩٤٩م، وسرعان ما ثار على نفسه واتجه نحو فن التصوير الفوتوغرافي. اقتنى كاميرا ماركة "آلمونيت" مبتاعاً إياها من مصوِّر إغريقي، وراح يلتقط بها بعض الصور لمعالم المدينة القديمة. أنشأ أوَّل أستديو تصوير فوتوغرافي بداية الخمسينيات، وبدأ في استجلاب الورق والأفلام لإقامة معمله الخاص، راسل شركة "كوداك" في لندن وزار فرعها في مصر عام ١٩٥٧م، وأقام معارض للتصوير وأسهم في صناعة أوَّل فيلم روائي سوداني طويل هو فيلم "آمال وأحلام" ١٩٧٠م من إخراج إبراهيم ملاسي، مُدشِّناً بذلك عهداً جديداً للسينما السودانيَّة التي ستشهد ميلاد جيل ثان برع في إخراج الأفلام السودانيَّة ذات الرسائل المهمة بعد أن تلقى دراسته في معاهد وكليَّات السينما المختلفة حول العالم؛ ابتداءً من ألمانيا، قبرص، مصر، الولايات المتحدة الأمريكيَّة وموسكو، وتنوعت أفلام هذا الجيل ما بين روائية وتسجيلية، وتتناول مواضيع ورسائل أقرب إلى حياة المواطن السوداني وهمومه ومشاكله اليوميَّة والتاريخيَّة، وبرز اهتمام آخر بإبراز التنوع الثقافي للسودان وتوثيق بعض العادات الثقافيَّة النادرة والقصص التراثية مثلما فعل "حسين شريف" ذلك في فيلم (جدع النار) ١٩٧٣م، أو فيلم الشاعر والمخرج علي عبد القوم عن طقس نسائي شهير هو طقس (الظار) ١٩٨٨م، أو فيلم (تاجوج) لجاد الله جبارة ١٩٨٠م.
جاء موضُوعُ فيلم جدع النَّار معرِّفاً بقبائل منطقة جنوب النيل الأزرق السُّودانيَّة. عَبَدت تلك القبائل النَّار والشَّمس في أزمان بعيدة. ولها طقوس متميزة أوان احتفالات الحصاد تتضمَّن الرَّقص والمهرجانات وطقوس أخرى عديدة تُمارس ضمن عادة أكبر تعرف بعادة "جدع النار" التي لا زالت تمارس عند كل خريف حتى يوم الناس هذا. شارك حسين شريف أيضاً مع عطيَّات الأبنودي في إخراج فيلم (يوميَّات في المنفى) الذي أنتجته في العام ١٩٩٣م المنظمة السُّودانيَّة لحقوق الإنسان، مُوثِّقةً لحكايات نزوح أفرادٍ ومجموعاتٍ من النَّاسِ يقدِّمُون شهاداتهم التاريخيَّة الخاصَّة بالفترة التي تَلت حدوثَ انقلاب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان عام ١٩٨٩م. حيث شهدت تلك الفترة هجرة كثيفة من السُّودانيِّين والسُّودانيَّات إلى مُختلفِ أرجاء العالم، فالسُّودان غَدا آناءِها مكانَاً طاردَاً لأهلِهِ وشَعْبِهِ كما هو الآن حاله أثناء حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣. وقد هاجرت الغالبيَّة العظمى من السُّودانيين والسُّودانيَّات حينذاك إلى مصر التي صُوِّرَ فيها ذاكَ الفيلم وبلغ عدد النازحين هناك، في وقتِ تصوير الفيلم المعني، ما يقارب الثلاثة ملايين وقتها.
تطوَّرت الرسائل الفنيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة مع الجيل اللاحق لهذا الجيل بشكل لافت، حيث اتخذت أبعاداً فلسفيَّة وجماليَّة متطوِّرة كما ظهر هذا الأمر في تجارب إبراهيم شداد، سليمان محمد إبراهيم والطيِّب مهدي. حيث عالجت أفلام إبراهيم شداد وعلى رأسها فيلم (إنسان) ١٩٩٤م قضايا وجوديَّة وفلسفيَّة دائماً، واتجهت مع هذا الفيلم لمناقشة أزمة قوانين سبتمبر ١٩٨٣م التي شرعها نظام الديكتاتور جعفر نميري في قالب قصصي بسيط وثَّق لجرائم وانتهاكات هذه القوانين، وأثرها على حياة بسطاء الناس ممن لم ينجوا من قطع الأيدي وبعض القوانين الجائرة المرتبطة بهذه التشريعات. وعالج الطيِّب مهدي في فيلم (الضريح) ١٩٧٧م ذات المشكلة من منظور مختلف، حيث نبَّه باكراً -وفي شبه نبوءة استباقيَّة- ما آلت إليه الأوضاع مع تجربة الإسلام السياسي في السودان ومشكلة استغلال الدين لخداع المجتمع. وقام "عبادي محجوب" و"جاد الله جبارة" بإخراج فيلم (بركة الشيخ) وهو فيلم روائي طويل، يحكي قصة دجال تمكن من السيطرة على عقول البسطاء في إحدى القرى السودانية من خلال ادعائه لبعض الكرامات. موضحاً الكيفيَّة التي يمكن بها استغلال الدين وسط بيئة مفقرة من العلم والمعرفة وما يمكن أن يقود إليه ذلك من مصائب كبيرة. وناقش فيلم (المحطة) ١٩٨٩م مشكلة طريق التطوُّر الرأسمالي والتنمية التي لا تضع بالاً للإنسان في مناطق الإنتاج والوفرة الاقتصاديَّة من خلال مشاهد بصريَّة غاية في التناقض. حيث عشرات المئات من الشاحنات الممتلئة بالسلع النقديَّة للصادر في مدينة زراعيَّة مثل مدينة القضارف، وأسرة فقيرة تقف على قراعة الطريق وهي تحمل مريضاً مسجياً على ظهر حمار ينتظر وسيلة نقل توصله إلى أقرب مشفى داخل المدينة!
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

انطلقت بواكير السينما في السودان مضطلعة بوظيفة اتصاليَّة مباشرة مرتبطة بمكتب السكرتير الإداري لحكومة السودان. فقد استجلب عربة سينما متجولة من دولة كينيا عام ١٩٤٦م بغرض عرض الأفلام الدعائيَّة ذات الصلة المباشرة بالخطاب الحكومي أولاً، ثمَّ تطوَّرت وظيفتها قليلاً وأنتجت الأفلام التعليمية والإخبارية بعد ذلك، وقامت بعرض هذه الأفلام في المجتمعات المحلية مع الشرح والتعليق من المختصّين في الصحة والإرشاد الزراعي والتعليم، من خلال التجوال الميداني في قرى وحواضر المديريات السودانيَّة المختلفة دعماً لبرنامج تعليم الكبار وغيرها من البرامج الحكوميَّة.
آتت هذه التجربة ثمارها في خلق قاعدة اتصال مباشر تمَّ بعدها استجلاب عدد تسع عربات أخرى وإعدادها للعرض السينمائي المتجوِّل، وتمَّ بعد ذلك تعيين مشغِّلين ومعلقين لهذه العربات التي كانت تجوب ربوع البلاد على مدار السنة، مقدِّمة شرائط فيديو وثائقيَّة قصيرة سودانية. وفي العام ١٩٤٩م تمَّ إنشاء أول وحدة أفلام سينمائية سودانية ضمن مكتب الاستعلامات والعمل اضطلعت بمهمة إنتاج أفلام وثائقية وإعلامية لبعض أهم أحداث الحياة والمشروعات في السودان آنذاك.
إذا أعدنا النظر كرَّة في طبيعة الأفلام التي أُنتجت مع بداية الخمسينيات ضمن وظيفة اتصاليَّة تبحث عن طبيعة الرسائل الجادة غير الحكومية وغير المعدَّة لأغراض مباشرة؛ مثل وظائف الإرشاد والتعليم وغيرها، سنجد أنها ليس من بينها سوى فيلمين أو ثلاثة تنطوي على محاولات جادة بَعَثَت برسائل مهمة وتناولت مشاكل اجتماعيَّة أو سياسيَّة، حيث جرى التركيز على السينما التسجيلية دون الروائية أوَّلاً، وبَرَزت من بين تلك المحاولات التسجيلية الجادة في السينما السودانية بعض الأفلام القليلة كفيلم (الطفولة المشرّدة) الذي أخرجه "كمال محمد إبراهيم"، وتناول مشكلة الأطفال المشردين الذين ينزحون من الريف إلى المدينة، ويجدون أنفسهم غير قادرين على الانسجام مع إيقاع حياتها السريع ومتطلبات العمل المختلفة، فيقعون ضحية انحرافات السرقة وغيرها. أُنتِج هذا الفيلم بعد الاستقلال بين عامي ١٩٥٦م-١٩٥٧م، وأخرج بعده في ذات الاتجاه فيلم (المنكوب)، الذي صوَّره المخرج والمصوِّر السينمائي السوداني وقتها جاد الله جبارة مخرج فيلم (تور الجر في العيادة) بعدها.
خلال تلك الفترة، كانت أكثر الأفلام التسجيلية مركِّزة على النشاط الحكومي الرسمي وإنجازاته، دون أن تحمل أية معالجة سينمائية فنية متميزة تُمكِّنها من صناعة وتطوير رسائل فنيَّة/ اجتماعيَّة غير ذات طابع سياسي مباشر، لكنها في ذات الوقت تضمَّنت رسائل أخرى متصلة بالتعريف بمناطق السودان محاولة إبراز وجهه السياحي وموثِّقة لبعض أهم الأحداث السياسيَّة فجاءت أفلام من مثل (أحداث الجلاء واستقلال السودان)، (تهجير أهالي وادي حلفا)، (زيارة جبل مرَّة)، (مشروع الجزيرة)، (زيارة الرئيس عبود إلى الصين)، (رحلة الباخرة من كوستي إلى جوبا)، و(مؤتمر الملوك والرؤساء العرب) (اللاءات الثلاث).
أنتجت هذه الوحدة ما يقدَّر بأربعين ألف فيلم حسب شهادات بعض العاملين بها، وكانت تصدر فيلماً إخبارياً أُسبوعياً يوزع على دور السينما التجارية ليُعرض في الاستراحة.
في مكان آخر خارج مدينة الخرطوم، كان هنالك مصوِّر فوتوغرافي بارع نشأ في كنف مدينة عماليَّة تضجُّ بأصوات القطارات على شاطئ نهر عطبرة، درس النجارة بمدرسة الصنائع بأمدرمان، والتحق بورش سكك حديد السودان عام ١٩٤٩م، وسرعان ما ثار على نفسه واتجه نحو فن التصوير الفوتوغرافي. اقتنى كاميرا ماركة "آلمونيت" مبتاعاً إياها من مصوِّر إغريقي، وراح يلتقط بها بعض الصور لمعالم المدينة القديمة. أنشأ أوَّل أستديو تصوير فوتوغرافي بداية الخمسينيات، وبدأ في استجلاب الورق والأفلام لإقامة معمله الخاص، راسل شركة "كوداك" في لندن وزار فرعها في مصر عام ١٩٥٧م، وأقام معارض للتصوير وأسهم في صناعة أوَّل فيلم روائي سوداني طويل هو فيلم "آمال وأحلام" ١٩٧٠م من إخراج إبراهيم ملاسي، مُدشِّناً بذلك عهداً جديداً للسينما السودانيَّة التي ستشهد ميلاد جيل ثان برع في إخراج الأفلام السودانيَّة ذات الرسائل المهمة بعد أن تلقى دراسته في معاهد وكليَّات السينما المختلفة حول العالم؛ ابتداءً من ألمانيا، قبرص، مصر، الولايات المتحدة الأمريكيَّة وموسكو، وتنوعت أفلام هذا الجيل ما بين روائية وتسجيلية، وتتناول مواضيع ورسائل أقرب إلى حياة المواطن السوداني وهمومه ومشاكله اليوميَّة والتاريخيَّة، وبرز اهتمام آخر بإبراز التنوع الثقافي للسودان وتوثيق بعض العادات الثقافيَّة النادرة والقصص التراثية مثلما فعل "حسين شريف" ذلك في فيلم (جدع النار) ١٩٧٣م، أو فيلم الشاعر والمخرج علي عبد القوم عن طقس نسائي شهير هو طقس (الظار) ١٩٨٨م، أو فيلم (تاجوج) لجاد الله جبارة ١٩٨٠م.
جاء موضُوعُ فيلم جدع النَّار معرِّفاً بقبائل منطقة جنوب النيل الأزرق السُّودانيَّة. عَبَدت تلك القبائل النَّار والشَّمس في أزمان بعيدة. ولها طقوس متميزة أوان احتفالات الحصاد تتضمَّن الرَّقص والمهرجانات وطقوس أخرى عديدة تُمارس ضمن عادة أكبر تعرف بعادة "جدع النار" التي لا زالت تمارس عند كل خريف حتى يوم الناس هذا. شارك حسين شريف أيضاً مع عطيَّات الأبنودي في إخراج فيلم (يوميَّات في المنفى) الذي أنتجته في العام ١٩٩٣م المنظمة السُّودانيَّة لحقوق الإنسان، مُوثِّقةً لحكايات نزوح أفرادٍ ومجموعاتٍ من النَّاسِ يقدِّمُون شهاداتهم التاريخيَّة الخاصَّة بالفترة التي تَلت حدوثَ انقلاب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان عام ١٩٨٩م. حيث شهدت تلك الفترة هجرة كثيفة من السُّودانيِّين والسُّودانيَّات إلى مُختلفِ أرجاء العالم، فالسُّودان غَدا آناءِها مكانَاً طاردَاً لأهلِهِ وشَعْبِهِ كما هو الآن حاله أثناء حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣. وقد هاجرت الغالبيَّة العظمى من السُّودانيين والسُّودانيَّات حينذاك إلى مصر التي صُوِّرَ فيها ذاكَ الفيلم وبلغ عدد النازحين هناك، في وقتِ تصوير الفيلم المعني، ما يقارب الثلاثة ملايين وقتها.
تطوَّرت الرسائل الفنيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة مع الجيل اللاحق لهذا الجيل بشكل لافت، حيث اتخذت أبعاداً فلسفيَّة وجماليَّة متطوِّرة كما ظهر هذا الأمر في تجارب إبراهيم شداد، سليمان محمد إبراهيم والطيِّب مهدي. حيث عالجت أفلام إبراهيم شداد وعلى رأسها فيلم (إنسان) ١٩٩٤م قضايا وجوديَّة وفلسفيَّة دائماً، واتجهت مع هذا الفيلم لمناقشة أزمة قوانين سبتمبر ١٩٨٣م التي شرعها نظام الديكتاتور جعفر نميري في قالب قصصي بسيط وثَّق لجرائم وانتهاكات هذه القوانين، وأثرها على حياة بسطاء الناس ممن لم ينجوا من قطع الأيدي وبعض القوانين الجائرة المرتبطة بهذه التشريعات. وعالج الطيِّب مهدي في فيلم (الضريح) ١٩٧٧م ذات المشكلة من منظور مختلف، حيث نبَّه باكراً -وفي شبه نبوءة استباقيَّة- ما آلت إليه الأوضاع مع تجربة الإسلام السياسي في السودان ومشكلة استغلال الدين لخداع المجتمع. وقام "عبادي محجوب" و"جاد الله جبارة" بإخراج فيلم (بركة الشيخ) وهو فيلم روائي طويل، يحكي قصة دجال تمكن من السيطرة على عقول البسطاء في إحدى القرى السودانية من خلال ادعائه لبعض الكرامات. موضحاً الكيفيَّة التي يمكن بها استغلال الدين وسط بيئة مفقرة من العلم والمعرفة وما يمكن أن يقود إليه ذلك من مصائب كبيرة. وناقش فيلم (المحطة) ١٩٨٩م مشكلة طريق التطوُّر الرأسمالي والتنمية التي لا تضع بالاً للإنسان في مناطق الإنتاج والوفرة الاقتصاديَّة من خلال مشاهد بصريَّة غاية في التناقض. حيث عشرات المئات من الشاحنات الممتلئة بالسلع النقديَّة للصادر في مدينة زراعيَّة مثل مدينة القضارف، وأسرة فقيرة تقف على قراعة الطريق وهي تحمل مريضاً مسجياً على ظهر حمار ينتظر وسيلة نقل توصله إلى أقرب مشفى داخل المدينة!
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

الفنون حياة

الفنون حياة
ثمة فكرة رائجة عن ما تَلعبه الفنون من أدوار في المجتمع، مفادها أنها تلعب أدوراً في التنوير والتعليم والترفيه، أي بكلّ ما يتّصل بالتنمية المجتمعية في مفهومها الأشمل، وبالطبع هذا افتراضٌ لا غبار عليه، لذلك يسعى الفاعلون في التغيير الاجتماعي إلى إدماجها في عمليات التغيير. لكن الناظر إلى أدوار الفنون بتمعّن سيجد أنها لا تقف عند هذه الأدوار، فالفنون وبما أنها "مجاورة" للحياة اليومية، وليست انعكاساً ميكانيكيّاً لها كما يذهب كثيرون؛ تجد نفسها بسبب مجاورتها هذه، مُطالبة بتحقيق اختلافٍ ما عن ما تُنتجه الحياة اليومية من جماليات ومجازات، فالحياة اليومية، كما نرى، لها اشتغال مجازيّ في اللغة في بعدها التواصلي؛ اشتغال في استطاعته أن يُحمِّل المفردات دلالات تتعدَّى معناها المعجمي، وأن يصيغ مقولات دالَّة على رافعة من المجاز تُعبِّر عن أكثر الأفكار والمشاعر تعقيداً، كما في ما يُعرف بالأمثال الشعبية، وتسطيع كذلك أن تُعيد تشكيل المادة الخام كالجسد، والحجر، والخشب، والطين، والسعف..إلخ، مما يمنحها انحرافاً معياريَّاً يضعها في حيِّز المجاورة مع الفنون.
إذن أين يكمن الاختلاف مع هذا التجاور؟ أي ما هي اللحظة التي تمظهر فيها هذا الاختلاف؟ الإجابة: إنها اللحظة التي ظهرت فيها الفئة التي سُمِّيت بالفنانين، وبدأ فيها استقلال الفنون عن الظواهر الكبرى؛ الدين والفلسفة، والأهم إعادة إنتاجها لجماليات الحياة اليومية ومجازاتها والشروع في بناء تاريخها الخاص. هذه السيرورة للفنون أول ما تَكشفه هو أن جينها الأساس، الـ(DNA)، قد تخلَّق من أمشاج متآزرة هي الدين والفلسفة والحياة اليومية، وهو ما جعلها تتفرَّد بخاصية "التنوّع"، والذي لا يقوم إلا والحوار والتحاور حضور. ولعلّ كل هذا مجتمعاً هو ما جَعَلها تتعدَّى البعد المجتمعي غير المعقّد الذي يَنظُر إليها كأداة، لتراوح بين المجتمعي والوجودي، بين اليومي والكوني بشعرية كثيفة، ومن هنا يتعدَّى موقعها في أن تكون وسيلة للبنى الاجتماعية الأخرى (اجتماعية، كانت أم اقتصادية، أم سياسية)، إلى مُجاوِرَة هذه البنى، مؤثِّرةً فيها ومُتأثِّرةً بها. يُضاف لهذا تميّزها في أنها تنهض عن (رؤيا للعالم)، كما في قول "لوسيان غولدمان"، وأنها حوارية بطبيعتها، وأن مبدعها ليس فرداً وإنما (ذاتاً مُبدعة)، والتي تعني فيما تعني جِماع الخبرات وتاريخ النمط الفني المعّين فما يكتبه أحدنا من نصٍّ شعريٍّ، على سبيل المثال، على أصالته ما هو إلا تجلٍّ لنصوص شِعريَّة خفية.
تظلّ الفنون جميعها بما لها من مقدرة في التعبير عن أسئلة الإنسان المجتمعية والوجودية، وفي منحه المقدرة على تذوق الوجود؛ تظلّ هي الأقدر على صناعة التحاور كاحتياج إنساني لا تستقيم الحياة بدونه، فهو وسيلة التعارف بينهم، وهو وسيلة التبادل السلميّ للأفكار والرؤى، وهو الجسر بين الإفضاء والسمع والبصر والفؤاد، وكيف لا؟ فالفنون عابرة للحدود؛ كل الحدود، والفنون تستحوذ على أَقيَمِ ما اخترعه الإنسان، وأعني هنا الحكي (القَصّ)، والاحتفال بما يحملانه من طاقات كبيرة في التعبير والإصغاء الخلاَّق، ومن اشتغالٍ في المكان ومن تحشيد، محصّلته الأخيرة صناعة الحوار والتحاور وهو ما لا تستطيع تحقيقه الأديان والفلسفات والسياسية بالجدارة التي تفعلها الفنون، لذلك فالفنون حياة.
إجمالاً تستطيع الفنون أن تساعد في:
- نشر ثقافة الحوار، وبالتالي نشر ثقافة الديمقراطية كما يفعل فن المسرح مثلاً، مما يساعد على خلق مجتمع تتعدَّد وتتنوَّع فيه الأفكار والآراء.
- تنمية الحسّ الإبداعي والملكات النقدية وتذوّق الجمال، مما يعني إمكانية خلق علاقة مُغايرة مع الواقع ومع الآخرين.
- إعادة حكاياتنا وقصصنا الشخصية، مما يُجمِّل علاقتنا بالعالم ويحفّزنا على اكتشاف ذواتنا.
- نشر الفرح والسرور والبهجة مما يساعد على تنمية الشخصية وزيادة قدرتها على التسامح والاعتراف بالآخر.
- تُمثِّل صوت من لا صوت لهم من المهمشين والفقراء، وذلك بالتعبير عن احتياجاتهم وأسئلتهم، مما يجعلهم حاضرين في المجال العام.
- تُساهم بالتنوير والتثقيف فى الحملات الاجتماعية والصحية والسياسية وغيرها، وهو ما يُعدُّ دعماً لهذه الحقوق.
- تساهم في الحد من النزاعات التي تنشأ من عدم المقدرة على إدارة التنوّع، وذلك بقدرتها على التصدي للتنميط الذي يطال الأفراد والمعتقدات على خلفيّات عرقية أو دينية أو نوعية، بمعنى الدعوة غير المباشرة للحوار في المسكوت عنه.
- تمثّل الصيغة الأمثل لدعم الحوار والتبادل الثقافي بين الشعوب، بما تمتلكه من خاصية تمكّنها من العبور السلمي بين الحدود.
قال محمود درويش:
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
مسلة المصري
مقبرة الفراعنة
النقوش على حجارة معبدٍ
هَزَمتك وانتَصرت وأفلَتَ من كمائنك الخلود
فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي
ثمة فكرة رائجة عن ما تَلعبه الفنون من أدوار في المجتمع، مفادها أنها تلعب أدوراً في التنوير والتعليم والترفيه، أي بكلّ ما يتّصل بالتنمية المجتمعية في مفهومها الأشمل، وبالطبع هذا افتراضٌ لا غبار عليه، لذلك يسعى الفاعلون في التغيير الاجتماعي إلى إدماجها في عمليات التغيير. لكن الناظر إلى أدوار الفنون بتمعّن سيجد أنها لا تقف عند هذه الأدوار، فالفنون وبما أنها "مجاورة" للحياة اليومية، وليست انعكاساً ميكانيكيّاً لها كما يذهب كثيرون؛ تجد نفسها بسبب مجاورتها هذه، مُطالبة بتحقيق اختلافٍ ما عن ما تُنتجه الحياة اليومية من جماليات ومجازات، فالحياة اليومية، كما نرى، لها اشتغال مجازيّ في اللغة في بعدها التواصلي؛ اشتغال في استطاعته أن يُحمِّل المفردات دلالات تتعدَّى معناها المعجمي، وأن يصيغ مقولات دالَّة على رافعة من المجاز تُعبِّر عن أكثر الأفكار والمشاعر تعقيداً، كما في ما يُعرف بالأمثال الشعبية، وتسطيع كذلك أن تُعيد تشكيل المادة الخام كالجسد، والحجر، والخشب، والطين، والسعف..إلخ، مما يمنحها انحرافاً معياريَّاً يضعها في حيِّز المجاورة مع الفنون.
إذن أين يكمن الاختلاف مع هذا التجاور؟ أي ما هي اللحظة التي تمظهر فيها هذا الاختلاف؟ الإجابة: إنها اللحظة التي ظهرت فيها الفئة التي سُمِّيت بالفنانين، وبدأ فيها استقلال الفنون عن الظواهر الكبرى؛ الدين والفلسفة، والأهم إعادة إنتاجها لجماليات الحياة اليومية ومجازاتها والشروع في بناء تاريخها الخاص. هذه السيرورة للفنون أول ما تَكشفه هو أن جينها الأساس، الـ(DNA)، قد تخلَّق من أمشاج متآزرة هي الدين والفلسفة والحياة اليومية، وهو ما جعلها تتفرَّد بخاصية "التنوّع"، والذي لا يقوم إلا والحوار والتحاور حضور. ولعلّ كل هذا مجتمعاً هو ما جَعَلها تتعدَّى البعد المجتمعي غير المعقّد الذي يَنظُر إليها كأداة، لتراوح بين المجتمعي والوجودي، بين اليومي والكوني بشعرية كثيفة، ومن هنا يتعدَّى موقعها في أن تكون وسيلة للبنى الاجتماعية الأخرى (اجتماعية، كانت أم اقتصادية، أم سياسية)، إلى مُجاوِرَة هذه البنى، مؤثِّرةً فيها ومُتأثِّرةً بها. يُضاف لهذا تميّزها في أنها تنهض عن (رؤيا للعالم)، كما في قول "لوسيان غولدمان"، وأنها حوارية بطبيعتها، وأن مبدعها ليس فرداً وإنما (ذاتاً مُبدعة)، والتي تعني فيما تعني جِماع الخبرات وتاريخ النمط الفني المعّين فما يكتبه أحدنا من نصٍّ شعريٍّ، على سبيل المثال، على أصالته ما هو إلا تجلٍّ لنصوص شِعريَّة خفية.
تظلّ الفنون جميعها بما لها من مقدرة في التعبير عن أسئلة الإنسان المجتمعية والوجودية، وفي منحه المقدرة على تذوق الوجود؛ تظلّ هي الأقدر على صناعة التحاور كاحتياج إنساني لا تستقيم الحياة بدونه، فهو وسيلة التعارف بينهم، وهو وسيلة التبادل السلميّ للأفكار والرؤى، وهو الجسر بين الإفضاء والسمع والبصر والفؤاد، وكيف لا؟ فالفنون عابرة للحدود؛ كل الحدود، والفنون تستحوذ على أَقيَمِ ما اخترعه الإنسان، وأعني هنا الحكي (القَصّ)، والاحتفال بما يحملانه من طاقات كبيرة في التعبير والإصغاء الخلاَّق، ومن اشتغالٍ في المكان ومن تحشيد، محصّلته الأخيرة صناعة الحوار والتحاور وهو ما لا تستطيع تحقيقه الأديان والفلسفات والسياسية بالجدارة التي تفعلها الفنون، لذلك فالفنون حياة.
إجمالاً تستطيع الفنون أن تساعد في:
- نشر ثقافة الحوار، وبالتالي نشر ثقافة الديمقراطية كما يفعل فن المسرح مثلاً، مما يساعد على خلق مجتمع تتعدَّد وتتنوَّع فيه الأفكار والآراء.
- تنمية الحسّ الإبداعي والملكات النقدية وتذوّق الجمال، مما يعني إمكانية خلق علاقة مُغايرة مع الواقع ومع الآخرين.
- إعادة حكاياتنا وقصصنا الشخصية، مما يُجمِّل علاقتنا بالعالم ويحفّزنا على اكتشاف ذواتنا.
- نشر الفرح والسرور والبهجة مما يساعد على تنمية الشخصية وزيادة قدرتها على التسامح والاعتراف بالآخر.
- تُمثِّل صوت من لا صوت لهم من المهمشين والفقراء، وذلك بالتعبير عن احتياجاتهم وأسئلتهم، مما يجعلهم حاضرين في المجال العام.
- تُساهم بالتنوير والتثقيف فى الحملات الاجتماعية والصحية والسياسية وغيرها، وهو ما يُعدُّ دعماً لهذه الحقوق.
- تساهم في الحد من النزاعات التي تنشأ من عدم المقدرة على إدارة التنوّع، وذلك بقدرتها على التصدي للتنميط الذي يطال الأفراد والمعتقدات على خلفيّات عرقية أو دينية أو نوعية، بمعنى الدعوة غير المباشرة للحوار في المسكوت عنه.
- تمثّل الصيغة الأمثل لدعم الحوار والتبادل الثقافي بين الشعوب، بما تمتلكه من خاصية تمكّنها من العبور السلمي بين الحدود.
قال محمود درويش:
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
مسلة المصري
مقبرة الفراعنة
النقوش على حجارة معبدٍ
هَزَمتك وانتَصرت وأفلَتَ من كمائنك الخلود
فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

ثمة فكرة رائجة عن ما تَلعبه الفنون من أدوار في المجتمع، مفادها أنها تلعب أدوراً في التنوير والتعليم والترفيه، أي بكلّ ما يتّصل بالتنمية المجتمعية في مفهومها الأشمل، وبالطبع هذا افتراضٌ لا غبار عليه، لذلك يسعى الفاعلون في التغيير الاجتماعي إلى إدماجها في عمليات التغيير. لكن الناظر إلى أدوار الفنون بتمعّن سيجد أنها لا تقف عند هذه الأدوار، فالفنون وبما أنها "مجاورة" للحياة اليومية، وليست انعكاساً ميكانيكيّاً لها كما يذهب كثيرون؛ تجد نفسها بسبب مجاورتها هذه، مُطالبة بتحقيق اختلافٍ ما عن ما تُنتجه الحياة اليومية من جماليات ومجازات، فالحياة اليومية، كما نرى، لها اشتغال مجازيّ في اللغة في بعدها التواصلي؛ اشتغال في استطاعته أن يُحمِّل المفردات دلالات تتعدَّى معناها المعجمي، وأن يصيغ مقولات دالَّة على رافعة من المجاز تُعبِّر عن أكثر الأفكار والمشاعر تعقيداً، كما في ما يُعرف بالأمثال الشعبية، وتسطيع كذلك أن تُعيد تشكيل المادة الخام كالجسد، والحجر، والخشب، والطين، والسعف..إلخ، مما يمنحها انحرافاً معياريَّاً يضعها في حيِّز المجاورة مع الفنون.
إذن أين يكمن الاختلاف مع هذا التجاور؟ أي ما هي اللحظة التي تمظهر فيها هذا الاختلاف؟ الإجابة: إنها اللحظة التي ظهرت فيها الفئة التي سُمِّيت بالفنانين، وبدأ فيها استقلال الفنون عن الظواهر الكبرى؛ الدين والفلسفة، والأهم إعادة إنتاجها لجماليات الحياة اليومية ومجازاتها والشروع في بناء تاريخها الخاص. هذه السيرورة للفنون أول ما تَكشفه هو أن جينها الأساس، الـ(DNA)، قد تخلَّق من أمشاج متآزرة هي الدين والفلسفة والحياة اليومية، وهو ما جعلها تتفرَّد بخاصية "التنوّع"، والذي لا يقوم إلا والحوار والتحاور حضور. ولعلّ كل هذا مجتمعاً هو ما جَعَلها تتعدَّى البعد المجتمعي غير المعقّد الذي يَنظُر إليها كأداة، لتراوح بين المجتمعي والوجودي، بين اليومي والكوني بشعرية كثيفة، ومن هنا يتعدَّى موقعها في أن تكون وسيلة للبنى الاجتماعية الأخرى (اجتماعية، كانت أم اقتصادية، أم سياسية)، إلى مُجاوِرَة هذه البنى، مؤثِّرةً فيها ومُتأثِّرةً بها. يُضاف لهذا تميّزها في أنها تنهض عن (رؤيا للعالم)، كما في قول "لوسيان غولدمان"، وأنها حوارية بطبيعتها، وأن مبدعها ليس فرداً وإنما (ذاتاً مُبدعة)، والتي تعني فيما تعني جِماع الخبرات وتاريخ النمط الفني المعّين فما يكتبه أحدنا من نصٍّ شعريٍّ، على سبيل المثال، على أصالته ما هو إلا تجلٍّ لنصوص شِعريَّة خفية.
تظلّ الفنون جميعها بما لها من مقدرة في التعبير عن أسئلة الإنسان المجتمعية والوجودية، وفي منحه المقدرة على تذوق الوجود؛ تظلّ هي الأقدر على صناعة التحاور كاحتياج إنساني لا تستقيم الحياة بدونه، فهو وسيلة التعارف بينهم، وهو وسيلة التبادل السلميّ للأفكار والرؤى، وهو الجسر بين الإفضاء والسمع والبصر والفؤاد، وكيف لا؟ فالفنون عابرة للحدود؛ كل الحدود، والفنون تستحوذ على أَقيَمِ ما اخترعه الإنسان، وأعني هنا الحكي (القَصّ)، والاحتفال بما يحملانه من طاقات كبيرة في التعبير والإصغاء الخلاَّق، ومن اشتغالٍ في المكان ومن تحشيد، محصّلته الأخيرة صناعة الحوار والتحاور وهو ما لا تستطيع تحقيقه الأديان والفلسفات والسياسية بالجدارة التي تفعلها الفنون، لذلك فالفنون حياة.
إجمالاً تستطيع الفنون أن تساعد في:
- نشر ثقافة الحوار، وبالتالي نشر ثقافة الديمقراطية كما يفعل فن المسرح مثلاً، مما يساعد على خلق مجتمع تتعدَّد وتتنوَّع فيه الأفكار والآراء.
- تنمية الحسّ الإبداعي والملكات النقدية وتذوّق الجمال، مما يعني إمكانية خلق علاقة مُغايرة مع الواقع ومع الآخرين.
- إعادة حكاياتنا وقصصنا الشخصية، مما يُجمِّل علاقتنا بالعالم ويحفّزنا على اكتشاف ذواتنا.
- نشر الفرح والسرور والبهجة مما يساعد على تنمية الشخصية وزيادة قدرتها على التسامح والاعتراف بالآخر.
- تُمثِّل صوت من لا صوت لهم من المهمشين والفقراء، وذلك بالتعبير عن احتياجاتهم وأسئلتهم، مما يجعلهم حاضرين في المجال العام.
- تُساهم بالتنوير والتثقيف فى الحملات الاجتماعية والصحية والسياسية وغيرها، وهو ما يُعدُّ دعماً لهذه الحقوق.
- تساهم في الحد من النزاعات التي تنشأ من عدم المقدرة على إدارة التنوّع، وذلك بقدرتها على التصدي للتنميط الذي يطال الأفراد والمعتقدات على خلفيّات عرقية أو دينية أو نوعية، بمعنى الدعوة غير المباشرة للحوار في المسكوت عنه.
- تمثّل الصيغة الأمثل لدعم الحوار والتبادل الثقافي بين الشعوب، بما تمتلكه من خاصية تمكّنها من العبور السلمي بين الحدود.
قال محمود درويش:
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
مسلة المصري
مقبرة الفراعنة
النقوش على حجارة معبدٍ
هَزَمتك وانتَصرت وأفلَتَ من كمائنك الخلود
فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

إيماءات وإشارات

إيماءات وإشارات
هناك نكتة قديمة عن طالب سوداني سافر إلى أوروبا منذ زمن بعيد، وكان يُخطئ في التعرُّف على أشخاص يظنّ أنّهم سودانيون بناءً على ملامحهم. وفي أحد الأيام، بينما كان يستقل قطار الأنفاق، صعد شخص تبدو عليه الملامح السودانية. كان الطالب قد فقد الأمل في العثور على شخص آخر من جنسيته، لكن الشخص جلسَ بجانبه، وعندما انحنى للجلوس أطلق صوت "أَحْ"، فاحتضنه الطالب على الفور.
تتحدث هذه النكتة عن الإيماءات غير اللفظية التي نقوم بها والتي تجعلنا مميزين، ولكنها أيضًا تُتِيح لنا فهم بعضنا البعض أو حتى إجراء محادثات كاملة دون أن نفتح أفواهنا.
يمكننا جميعاً التعرُّف على حركة ضَم أطراف الأصابع الخمسة معاً، التي غالباً ما تُنسب إلى المتحدثين الإيطاليين، باعتبارها حركة أكثر تهديداً وتُستخدم من قِبَل الأمهات الغاضبات للإشارة إلى عقوبة مُؤَجَّلة.
استخدام العيون والفم للتعبير عن فكرةٍ ما أمر شائع في المحادثات اليومية، وكذلك الأمر بالنسبة للرائحة. المرأة المتزوجة حديثاً تسير محاطة بسحابة من العطر أينما ذهبت، مما يشير إلى حالتها الاجتماعية الجديدة. ويمكنك التعرُّف على المرأة المتزوجة من خلال نمط حنّائها، حيث تُحصر تغطية أطراف الأصابع على النساء المتزوجات، ولكن من الأنماط وكمية الحناء يمكنك أن تعرف ما إذا كانت حديثة الزواج أم عروساً، أو حتى امرأة غير متزوجة لكنها قريبة جداً من العروس، مثل الأخت على سبيل المثال.
هناك إشارات يدويَّة أخرى حديثة الاختراع، مثل أسلوب الإشارة لركوب الباصات. فقد اختَرَع "الكماسرة" -وهم مساعدو السائقين- لغة كاملة للتواصل تختلف من مكان لآخر حسب نقطة الانطلاق والوجهة. لكنها رمزية للغاية، فمثلًا، الإشارة المتكررة إلى الأسفل تعني أن الباص سيلتزم بهذا الطريق، دوران الإصبع يعني أن الباص متجه إلى دوار، الإشارة شرقًا تعني أن الباص متجه إلى بحري أو الخرطوم، الواقعتين شرق النيل، بينما الإشارة غربًا تعني أن الباص متجه إلى الخرطوم إذا كُنتَ تستقلّ الباص من أم درمان أو بحري. أما الإشارة إلى الأعلى، فتعني أنه لا توجد مقاعد فارغة، وأنك ستضطر للوقوف بجانب الباب، وهو حق محفوظ للرجال فقط. الإشارة الأكثر إحباطًا في هذا السياق هي عندما "تنمو" للكُمساري أيدٍ متعددة، فهذا يعني أن الباب نفسه ممتلئ، ولن يتوقف الباص لأي كائنٍ حي أو غير حي.
عندما تكون داخل الباص، يهز الكمساري قبضته المليئة بالنقود المعدنية ليُعلِمك بضرورة الدفع، وهو لا يُفرقِع أصابعه إلا عندما يحاول أحد الركاب التظاهر بعدم سماع صوت النقود. لإيقاف الباص، يمكنك فرقعة أصابعك، لكن السائق لن يتوقف إلا بإشارة الكمساري، والتي تكون عادةً صفارة. الباص سيتوقف في أي مكان تريده، حتى لو كان في وسط النهر.
وفي عوالم المواصلات، هناك نظام إشارات آخر معروف، وهو استخدام أبواق الموسيقى من قبل الباصات والشاحنات في الطرق السريعة بين المدن. يستخدم السائقون الألحان للإعلان عن وصولهم أو لطلب كوب من القهوة من ست الشاي أثناء اقترابهم من المحطة. كما يتواصلون مع بعضهم البعض أو يقومون بذلك للمتعة فقط.
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي
هناك نكتة قديمة عن طالب سوداني سافر إلى أوروبا منذ زمن بعيد، وكان يُخطئ في التعرُّف على أشخاص يظنّ أنّهم سودانيون بناءً على ملامحهم. وفي أحد الأيام، بينما كان يستقل قطار الأنفاق، صعد شخص تبدو عليه الملامح السودانية. كان الطالب قد فقد الأمل في العثور على شخص آخر من جنسيته، لكن الشخص جلسَ بجانبه، وعندما انحنى للجلوس أطلق صوت "أَحْ"، فاحتضنه الطالب على الفور.
تتحدث هذه النكتة عن الإيماءات غير اللفظية التي نقوم بها والتي تجعلنا مميزين، ولكنها أيضًا تُتِيح لنا فهم بعضنا البعض أو حتى إجراء محادثات كاملة دون أن نفتح أفواهنا.
يمكننا جميعاً التعرُّف على حركة ضَم أطراف الأصابع الخمسة معاً، التي غالباً ما تُنسب إلى المتحدثين الإيطاليين، باعتبارها حركة أكثر تهديداً وتُستخدم من قِبَل الأمهات الغاضبات للإشارة إلى عقوبة مُؤَجَّلة.
استخدام العيون والفم للتعبير عن فكرةٍ ما أمر شائع في المحادثات اليومية، وكذلك الأمر بالنسبة للرائحة. المرأة المتزوجة حديثاً تسير محاطة بسحابة من العطر أينما ذهبت، مما يشير إلى حالتها الاجتماعية الجديدة. ويمكنك التعرُّف على المرأة المتزوجة من خلال نمط حنّائها، حيث تُحصر تغطية أطراف الأصابع على النساء المتزوجات، ولكن من الأنماط وكمية الحناء يمكنك أن تعرف ما إذا كانت حديثة الزواج أم عروساً، أو حتى امرأة غير متزوجة لكنها قريبة جداً من العروس، مثل الأخت على سبيل المثال.
هناك إشارات يدويَّة أخرى حديثة الاختراع، مثل أسلوب الإشارة لركوب الباصات. فقد اختَرَع "الكماسرة" -وهم مساعدو السائقين- لغة كاملة للتواصل تختلف من مكان لآخر حسب نقطة الانطلاق والوجهة. لكنها رمزية للغاية، فمثلًا، الإشارة المتكررة إلى الأسفل تعني أن الباص سيلتزم بهذا الطريق، دوران الإصبع يعني أن الباص متجه إلى دوار، الإشارة شرقًا تعني أن الباص متجه إلى بحري أو الخرطوم، الواقعتين شرق النيل، بينما الإشارة غربًا تعني أن الباص متجه إلى الخرطوم إذا كُنتَ تستقلّ الباص من أم درمان أو بحري. أما الإشارة إلى الأعلى، فتعني أنه لا توجد مقاعد فارغة، وأنك ستضطر للوقوف بجانب الباب، وهو حق محفوظ للرجال فقط. الإشارة الأكثر إحباطًا في هذا السياق هي عندما "تنمو" للكُمساري أيدٍ متعددة، فهذا يعني أن الباب نفسه ممتلئ، ولن يتوقف الباص لأي كائنٍ حي أو غير حي.
عندما تكون داخل الباص، يهز الكمساري قبضته المليئة بالنقود المعدنية ليُعلِمك بضرورة الدفع، وهو لا يُفرقِع أصابعه إلا عندما يحاول أحد الركاب التظاهر بعدم سماع صوت النقود. لإيقاف الباص، يمكنك فرقعة أصابعك، لكن السائق لن يتوقف إلا بإشارة الكمساري، والتي تكون عادةً صفارة. الباص سيتوقف في أي مكان تريده، حتى لو كان في وسط النهر.
وفي عوالم المواصلات، هناك نظام إشارات آخر معروف، وهو استخدام أبواق الموسيقى من قبل الباصات والشاحنات في الطرق السريعة بين المدن. يستخدم السائقون الألحان للإعلان عن وصولهم أو لطلب كوب من القهوة من ست الشاي أثناء اقترابهم من المحطة. كما يتواصلون مع بعضهم البعض أو يقومون بذلك للمتعة فقط.
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

هناك نكتة قديمة عن طالب سوداني سافر إلى أوروبا منذ زمن بعيد، وكان يُخطئ في التعرُّف على أشخاص يظنّ أنّهم سودانيون بناءً على ملامحهم. وفي أحد الأيام، بينما كان يستقل قطار الأنفاق، صعد شخص تبدو عليه الملامح السودانية. كان الطالب قد فقد الأمل في العثور على شخص آخر من جنسيته، لكن الشخص جلسَ بجانبه، وعندما انحنى للجلوس أطلق صوت "أَحْ"، فاحتضنه الطالب على الفور.
تتحدث هذه النكتة عن الإيماءات غير اللفظية التي نقوم بها والتي تجعلنا مميزين، ولكنها أيضًا تُتِيح لنا فهم بعضنا البعض أو حتى إجراء محادثات كاملة دون أن نفتح أفواهنا.
يمكننا جميعاً التعرُّف على حركة ضَم أطراف الأصابع الخمسة معاً، التي غالباً ما تُنسب إلى المتحدثين الإيطاليين، باعتبارها حركة أكثر تهديداً وتُستخدم من قِبَل الأمهات الغاضبات للإشارة إلى عقوبة مُؤَجَّلة.
استخدام العيون والفم للتعبير عن فكرةٍ ما أمر شائع في المحادثات اليومية، وكذلك الأمر بالنسبة للرائحة. المرأة المتزوجة حديثاً تسير محاطة بسحابة من العطر أينما ذهبت، مما يشير إلى حالتها الاجتماعية الجديدة. ويمكنك التعرُّف على المرأة المتزوجة من خلال نمط حنّائها، حيث تُحصر تغطية أطراف الأصابع على النساء المتزوجات، ولكن من الأنماط وكمية الحناء يمكنك أن تعرف ما إذا كانت حديثة الزواج أم عروساً، أو حتى امرأة غير متزوجة لكنها قريبة جداً من العروس، مثل الأخت على سبيل المثال.
هناك إشارات يدويَّة أخرى حديثة الاختراع، مثل أسلوب الإشارة لركوب الباصات. فقد اختَرَع "الكماسرة" -وهم مساعدو السائقين- لغة كاملة للتواصل تختلف من مكان لآخر حسب نقطة الانطلاق والوجهة. لكنها رمزية للغاية، فمثلًا، الإشارة المتكررة إلى الأسفل تعني أن الباص سيلتزم بهذا الطريق، دوران الإصبع يعني أن الباص متجه إلى دوار، الإشارة شرقًا تعني أن الباص متجه إلى بحري أو الخرطوم، الواقعتين شرق النيل، بينما الإشارة غربًا تعني أن الباص متجه إلى الخرطوم إذا كُنتَ تستقلّ الباص من أم درمان أو بحري. أما الإشارة إلى الأعلى، فتعني أنه لا توجد مقاعد فارغة، وأنك ستضطر للوقوف بجانب الباب، وهو حق محفوظ للرجال فقط. الإشارة الأكثر إحباطًا في هذا السياق هي عندما "تنمو" للكُمساري أيدٍ متعددة، فهذا يعني أن الباب نفسه ممتلئ، ولن يتوقف الباص لأي كائنٍ حي أو غير حي.
عندما تكون داخل الباص، يهز الكمساري قبضته المليئة بالنقود المعدنية ليُعلِمك بضرورة الدفع، وهو لا يُفرقِع أصابعه إلا عندما يحاول أحد الركاب التظاهر بعدم سماع صوت النقود. لإيقاف الباص، يمكنك فرقعة أصابعك، لكن السائق لن يتوقف إلا بإشارة الكمساري، والتي تكون عادةً صفارة. الباص سيتوقف في أي مكان تريده، حتى لو كان في وسط النهر.
وفي عوالم المواصلات، هناك نظام إشارات آخر معروف، وهو استخدام أبواق الموسيقى من قبل الباصات والشاحنات في الطرق السريعة بين المدن. يستخدم السائقون الألحان للإعلان عن وصولهم أو لطلب كوب من القهوة من ست الشاي أثناء اقترابهم من المحطة. كما يتواصلون مع بعضهم البعض أو يقومون بذلك للمتعة فقط.
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

لغة النحاس

لغة النحاس
تسمى مجموعة الطبول المخصصة لكل حاكم أو قبيلة بالنحاس، وكانت تُصنع من النحاس وتُغطى بجلد التيتل أو البقر أو الإبل.
- للطبول دلالات ثقافية ممتدّة من مملكة الفونج وحتى اليوم، فقد كانت تُستخدم كرمز قَبَلي وأداة للتواصل بين القبائل، وارتبطت بالكثير من الطقوس والمراسم، مثل حالات الاستدعاء العامة للحرب، وعند وفاة شخص عظيم، وأيضاً في حالات التشاور أو الاجتماع بالسلاطين.
- سُميت الإيقاعات المضروبة على النحاس بأسماء مختلفة مثل الدّرَق (إيقاع إثارة الحماس وإظهار المكانة الاجتماعية) ، وغيرها من الإيقاعات المتعارف عليها عبر الأجيال.
- استخدمت الدولة المهدية النحاس ضمن الوحدة الموسيقية للخليفة، وشملت جماعة النحاس، وجماعة الإمباية. وكان ذلك في العرضة والاحتفالات والمناسبات القومية المختلفة.
- فعّل الخليفة عبد الله منشور الإمام المهدي الذي كان ينص على عدم جواز ضرب النّحاس إلّا في حالتي الحرب والمأتم.
صورة الغلاف: قبيلة الجعليين تدق النحاس في معسكر ود حمد أثناء الاستعدادات النهائية للتقدم إلى جبهة أم درمان، تاريخ الصورة: ١٨٩٨، تصوير الجنرال السير ريجينالد وينجيت © أرشيف السودان بجامعة دورهام
تسمى مجموعة الطبول المخصصة لكل حاكم أو قبيلة بالنحاس، وكانت تُصنع من النحاس وتُغطى بجلد التيتل أو البقر أو الإبل.
- للطبول دلالات ثقافية ممتدّة من مملكة الفونج وحتى اليوم، فقد كانت تُستخدم كرمز قَبَلي وأداة للتواصل بين القبائل، وارتبطت بالكثير من الطقوس والمراسم، مثل حالات الاستدعاء العامة للحرب، وعند وفاة شخص عظيم، وأيضاً في حالات التشاور أو الاجتماع بالسلاطين.
- سُميت الإيقاعات المضروبة على النحاس بأسماء مختلفة مثل الدّرَق (إيقاع إثارة الحماس وإظهار المكانة الاجتماعية) ، وغيرها من الإيقاعات المتعارف عليها عبر الأجيال.
- استخدمت الدولة المهدية النحاس ضمن الوحدة الموسيقية للخليفة، وشملت جماعة النحاس، وجماعة الإمباية. وكان ذلك في العرضة والاحتفالات والمناسبات القومية المختلفة.
- فعّل الخليفة عبد الله منشور الإمام المهدي الذي كان ينص على عدم جواز ضرب النّحاس إلّا في حالتي الحرب والمأتم.
صورة الغلاف: قبيلة الجعليين تدق النحاس في معسكر ود حمد أثناء الاستعدادات النهائية للتقدم إلى جبهة أم درمان، تاريخ الصورة: ١٨٩٨، تصوير الجنرال السير ريجينالد وينجيت © أرشيف السودان بجامعة دورهام

تسمى مجموعة الطبول المخصصة لكل حاكم أو قبيلة بالنحاس، وكانت تُصنع من النحاس وتُغطى بجلد التيتل أو البقر أو الإبل.
- للطبول دلالات ثقافية ممتدّة من مملكة الفونج وحتى اليوم، فقد كانت تُستخدم كرمز قَبَلي وأداة للتواصل بين القبائل، وارتبطت بالكثير من الطقوس والمراسم، مثل حالات الاستدعاء العامة للحرب، وعند وفاة شخص عظيم، وأيضاً في حالات التشاور أو الاجتماع بالسلاطين.
- سُميت الإيقاعات المضروبة على النحاس بأسماء مختلفة مثل الدّرَق (إيقاع إثارة الحماس وإظهار المكانة الاجتماعية) ، وغيرها من الإيقاعات المتعارف عليها عبر الأجيال.
- استخدمت الدولة المهدية النحاس ضمن الوحدة الموسيقية للخليفة، وشملت جماعة النحاس، وجماعة الإمباية. وكان ذلك في العرضة والاحتفالات والمناسبات القومية المختلفة.
- فعّل الخليفة عبد الله منشور الإمام المهدي الذي كان ينص على عدم جواز ضرب النّحاس إلّا في حالتي الحرب والمأتم.
صورة الغلاف: قبيلة الجعليين تدق النحاس في معسكر ود حمد أثناء الاستعدادات النهائية للتقدم إلى جبهة أم درمان، تاريخ الصورة: ١٨٩٨، تصوير الجنرال السير ريجينالد وينجيت © أرشيف السودان بجامعة دورهام

نحاس السلطان علي دينار

نحاس السلطان علي دينار
أوائل القرن العشرين
هذا النحاس يرمز إلى سلطة سلطان دارفور. تم استخدامه لدعوة الناس للحضور في المناسبات خاصةُ المتعلقة بالحرب والطوارئ. كما تم استخدامه كأداة موسيقية. مصنوع من النحاس وجلد البقر.
مجموعة متحف بيت الخليفة
أوائل القرن العشرين
هذا النحاس يرمز إلى سلطة سلطان دارفور. تم استخدامه لدعوة الناس للحضور في المناسبات خاصةُ المتعلقة بالحرب والطوارئ. كما تم استخدامه كأداة موسيقية. مصنوع من النحاس وجلد البقر.
مجموعة متحف بيت الخليفة

أوائل القرن العشرين
هذا النحاس يرمز إلى سلطة سلطان دارفور. تم استخدامه لدعوة الناس للحضور في المناسبات خاصةُ المتعلقة بالحرب والطوارئ. كما تم استخدامه كأداة موسيقية. مصنوع من النحاس وجلد البقر.
مجموعة متحف بيت الخليفة

حوارٌ مع عوالم أخرى

حوارٌ مع عوالم أخرى
للشيوخ وأصحاب الكرامات مكانة مهمة في المجتمع السوداني، خصوصاً في المفاهيم الصوفية، كمثل الشيوخ من يتبعون الطرق الإسلامية للعلاج والرقية الشرعية، وهي تعتمد القرآن والسنة كمرجع للعلاج. السحر والشعوذة هي ممارسات محرمة في الدين الإسلامي، إلا أن هذا لا يعني أنه ليس هناك شيوخ يستخدمون السحر لأغراض أخرى، يطلق عليهم مصطلح الشيوخ الروحانيين. عادة ترتبط زيارة مثل هذه المزارات بطلبات درامية الطبع مثل جلب الحبيب، فك العوارض أو التحكم بقرار شخص، وقد تكون طلبات أكثر شراً مثل جلب الحظ السيء على شخص آخر، أو ما يسمى "بكتابة" شخص. على خلاف الشيوخ "الفقرا" وأصحاب الكرامات، يعتمد الشيوخ الروحانيين على قدرتهم على تواصل مع كائنات من عوالم أخرى، حيث يقوم الساحر بعقد اتفاق مع "خادم السحر" (جني/مارد/عفريت) على أن يُتِمَّ أمر بالنيابة عنه بعد تبادل منافع مع الساحر، وهو نوع من التواصل يعتبر محفوفاً بالمخاطر.
الجِنّ مفردها جِنِّيّ أو "جِنِّيَّة" وهو من الفعل جَنَّ (بفتح الجيم وتشديد النون وفتحها) بمعنى استَتر وغطَّى، وهم وبحسب مختلف الأديان والأساطير العربية القديمة مخلوقات تعيش في ذات العالم، ولكن لا يمكن رؤيتها عادة، وهي خارقة للطبيعة التي تدركها حواسنا، لها عقول وفهم، ويقال إنما سميت بذلك لأنها تتوارى عن الأنظار ولا تُرى. أجمع المسلمون على إقرار وجودها.
في السودان يعتقد البعض أن الاعتقاد بالجن والسحر هي عادة قديمة ترجع لعصور ما قبل نشأة الحضارة الكوشية. وفي التاريخ الحديث، يَعتقد سُكَّان جزيرة سواكن التاريخية الأثرية أن الجن يسكنها منذ عهد النبي سليمان، ومنه جاء الاسم "سواكن"، ونُسجت حولها الكثير من القصص والأساطير، فمن منّا لم يسمع عن قطط سواكن؟. وللجن وقبائل الجن الكثير من النصوص والدراسات الدينية، كما له ولعالم الغيب الكثير من الممارسات التراثية في الإرث السوداني، قد اندثر الكثير منها وما زال يمارسها البعض، وإن كان أغلب الممارسين لا يعلمون علاقتها بهذا النوع من المعتقدات.
كمثال للممارسات في الحماية من الجن ما يَتَمثَّل في صنع التمائم والأحجبة -جمع حجاب- وربط الخرز على الأطفال وحتى الماشية، هي معتقدات بأنها تحمي من الجن والأرواح الشريرة وكذلك مفهوم العالم السفلي. وما زالت تُمارس في أماكن مختلفة من السودان، مثلها مثل الحريرة، وهي عبارة عن خيوط من الحرير الخالص يُضفَر وتتخلَّله خُرزة زرقاء تُربط في معصم اليد في العادات والتقاليد السودانية المرتبطة بالزواج، الجرتق على الخصوص، والطهور. قد لا تكون الحريرة بنفس وضوح التمائم إلا أنها أيضاً ترتبط بمفهوم الحماية من الأرواح الشريرة والعين والحَسد والجن، وتقوم بالإشراف على صنعها وربطها النساء الكبار في السن؛ حيث يكنّ قريبات الزوج أو الزوجة أو الخالات والعمات والجدات، وأيضاً أم أو جدة الطفل عند الطهور (الختان).
وكتبت أستاذة أماني بشير، مديرة متحف شيكان، عن عادات منطقة الأبيض وكردفان في ما يخص خاتم الجنيه، وهو عبارة عن قطعة معدنية مرسومٌ على الوجه الأول صورة رجل والوجه الآخر قيمة لعملة الجنيه. يُرتَدى الجنيه كقطعة حلي أصل صنعها من الذهب الخالص، لكن توجد الفضة ومعادن أخرى ترتديها النساء بصورة أساسية للزينة، وتتمثّل معتقدات لبس خاتم الجنيه في الحفظ من الأرواح الشريرة، ولذلك ترتديه العروس لمدة أربعين يوم بعد الزواج، ويعتقد في تلك الفترة أنها تكون في أبهى جمالها وأن الأرواح الشريرة تكثُر من حولها، وأيضاً ترتديه المرأة النَفَسَاء في فترة النفاس لذات المعتقد، أيضاً يرتديه العريس لمدة سبعة أيام من زواجه. من هذا المنطلق وُضع لبس خاتم الجنيه للحماية من الطاقات السلبية التي يمكن أن تضرّ الإنسان.
بينما الأحجبة والحريرة والجنيه كلها تمائم تعني الحماية وقطع التواصل مع العوالم الأخرى، إلا أن هناك ممارسات أخرى مهمتها التواصل مع الجن مباشرة، لطرح أسئلة أو غيرها، أشهرها "رمي الوَدِع" و"الزَّار/الظّار". رمي الودع هو نوع من أنواع قراءة الطالع، وتُرمى فيه قواقع أو صدف البحر يختار منها سبع صدفات متشابهة وبشكل معروف، تحرك معاً داخل الكف وهي مغلقة ثم تُلقى على الأرض، لتقوم قارئة الطالع بترجمة الرسالة الناتجة من وضعية الصدفات بحسب مدى قربها أو بعدها عن بعضها، أو إن كانت مقلوبة على ظهرها أو على وجهها، فما يستقر عليه "الودع" في كل مرة له قراءة خاصة ربما تكون مؤكِّدة للقراءة السابقة أو مختلفة عنها. و عادة يبحث السائل عن إجابات عن أشخاص آخرين ومعرفة أسباب مشاكلهم، وليس شرطاً أن تكون متعلقة بالمستقبل بل قد تكون متعلقة بالماضي أو المستقبل أو مزيج منهما. ويعتقد في مقدرة قارئة الودع من التواصل مع عالم آخر وترجمة تلك الرسائل عبر استخدام الصَدَف. وذلك بعكس حالة الزار/الظار أو ما يعرف بالريح الأحمر، حيث تكون الزائرة هي "الممسوسة" وفي حاجة لتقديم طقس للجن وتلبي الكثير من الرغبات لتصبح أفضل.
يُعتقد أن الزار يأتي من أصول إفريقية، انتقل من الحبشة إلى السودان ومصر وهو طقس استحضار أرواح الأسلاف والأسياد والشيوخ وتحقيق طلباتهم أو تقمص أرواحهم بغرض شفاء المرضى ممن تتلبسهم الجن. يرى الكثير من الناس أن الزار طقس علاجي، له الفضل في علاج كثير من الحالات النفسية الهستيرية، كما هو طريقة للنساء في التعامل مع ضغوط حياتهن. ويتم عبر تحقيق طلبات الأسياد، كتخصيص طعام وموسيقى وأغانٍ وعطور وبخور وملابس وغيرها لهذا الطقس، وتحضر الطقس الكثير من النساء اللاتي يلعبن أدواراً مختلفة؛ مثل شيخة الزار ولها مساعدات ونائبة تتولى مراقبة الحفل وضبطه، وحبوبة الكانون المسؤولة من الطعام وغيرهن. وهناك اختلاف في أنواع احتفالات الزار تسمى خيوط التي تقام مع اختلاف الطقوس، حسب نوع أو جنس الجن صاحب المس، كخيط الزرق أو السود، وتكون "المزيورات" في خيط الزرق من قبائل غرب إفريقيا، مثل الهوسا والفلاتة وجنوب السودان، ويكون طعامهم وموسيقاهم وملابسهم بحسب عاداتهم الأصلية. وبصورة مشابهة خيط الحبش وخيط الخواجات وغيرهم.
بعيداً عن عالم الجن والسحر يفضل المسلمون طلب الحاجة من الله سبحانه وتعالى من غير وسيط، والتبرك بالكرامة وهي الصدقة، أيضاً تُسمى البركة وهي ممارسة اجتماعية تؤديها المجتمعات بنية التقرب والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ورفع البلاء أو تخفيف المصائب أو الشكر على نعمة أو فرح أو استجابة دعوة. كرامة البليلة عبارة عن وجبة يتم إعدادها وتوزيعها للمحتاجين والمساكين، وارتبطت أعراف معينة بكرامة البليلة أهمها أن يتم طبخ البليلة في إناء أو قِدر مفتوح حيث يعتقد أن بوخ البليلة (البُخار) يصعد إلى السماء ويأخذ معه كل الشر والأمراض والبلاء، إضافة إلى الأدعية التي يتم ترديدها أثناء الطبخ والتوزيع، ومن الشائع أن دعوة الكرامة لا تُرد أو تُرفض وكل إنسان يصادف البليلة يجب أن يَحظى بنصيبٍ منها ولو القليل للتبرُّك، لذا أُطلق عليها اسم البركة، اعتقاداً منهم في أهميتها.
تظل رغبة البشر في التواصل مع عوالم أخرى غير مرئية أمر قديم ومشترك بين أغلب شعوب العالم، لكلٍّ منهم دلالات وأغراض.
صورة الغلاف: حولية الشيخ حمد النيل في أم درمان © يوسف الشيخ
للشيوخ وأصحاب الكرامات مكانة مهمة في المجتمع السوداني، خصوصاً في المفاهيم الصوفية، كمثل الشيوخ من يتبعون الطرق الإسلامية للعلاج والرقية الشرعية، وهي تعتمد القرآن والسنة كمرجع للعلاج. السحر والشعوذة هي ممارسات محرمة في الدين الإسلامي، إلا أن هذا لا يعني أنه ليس هناك شيوخ يستخدمون السحر لأغراض أخرى، يطلق عليهم مصطلح الشيوخ الروحانيين. عادة ترتبط زيارة مثل هذه المزارات بطلبات درامية الطبع مثل جلب الحبيب، فك العوارض أو التحكم بقرار شخص، وقد تكون طلبات أكثر شراً مثل جلب الحظ السيء على شخص آخر، أو ما يسمى "بكتابة" شخص. على خلاف الشيوخ "الفقرا" وأصحاب الكرامات، يعتمد الشيوخ الروحانيين على قدرتهم على تواصل مع كائنات من عوالم أخرى، حيث يقوم الساحر بعقد اتفاق مع "خادم السحر" (جني/مارد/عفريت) على أن يُتِمَّ أمر بالنيابة عنه بعد تبادل منافع مع الساحر، وهو نوع من التواصل يعتبر محفوفاً بالمخاطر.
الجِنّ مفردها جِنِّيّ أو "جِنِّيَّة" وهو من الفعل جَنَّ (بفتح الجيم وتشديد النون وفتحها) بمعنى استَتر وغطَّى، وهم وبحسب مختلف الأديان والأساطير العربية القديمة مخلوقات تعيش في ذات العالم، ولكن لا يمكن رؤيتها عادة، وهي خارقة للطبيعة التي تدركها حواسنا، لها عقول وفهم، ويقال إنما سميت بذلك لأنها تتوارى عن الأنظار ولا تُرى. أجمع المسلمون على إقرار وجودها.
في السودان يعتقد البعض أن الاعتقاد بالجن والسحر هي عادة قديمة ترجع لعصور ما قبل نشأة الحضارة الكوشية. وفي التاريخ الحديث، يَعتقد سُكَّان جزيرة سواكن التاريخية الأثرية أن الجن يسكنها منذ عهد النبي سليمان، ومنه جاء الاسم "سواكن"، ونُسجت حولها الكثير من القصص والأساطير، فمن منّا لم يسمع عن قطط سواكن؟. وللجن وقبائل الجن الكثير من النصوص والدراسات الدينية، كما له ولعالم الغيب الكثير من الممارسات التراثية في الإرث السوداني، قد اندثر الكثير منها وما زال يمارسها البعض، وإن كان أغلب الممارسين لا يعلمون علاقتها بهذا النوع من المعتقدات.
كمثال للممارسات في الحماية من الجن ما يَتَمثَّل في صنع التمائم والأحجبة -جمع حجاب- وربط الخرز على الأطفال وحتى الماشية، هي معتقدات بأنها تحمي من الجن والأرواح الشريرة وكذلك مفهوم العالم السفلي. وما زالت تُمارس في أماكن مختلفة من السودان، مثلها مثل الحريرة، وهي عبارة عن خيوط من الحرير الخالص يُضفَر وتتخلَّله خُرزة زرقاء تُربط في معصم اليد في العادات والتقاليد السودانية المرتبطة بالزواج، الجرتق على الخصوص، والطهور. قد لا تكون الحريرة بنفس وضوح التمائم إلا أنها أيضاً ترتبط بمفهوم الحماية من الأرواح الشريرة والعين والحَسد والجن، وتقوم بالإشراف على صنعها وربطها النساء الكبار في السن؛ حيث يكنّ قريبات الزوج أو الزوجة أو الخالات والعمات والجدات، وأيضاً أم أو جدة الطفل عند الطهور (الختان).
وكتبت أستاذة أماني بشير، مديرة متحف شيكان، عن عادات منطقة الأبيض وكردفان في ما يخص خاتم الجنيه، وهو عبارة عن قطعة معدنية مرسومٌ على الوجه الأول صورة رجل والوجه الآخر قيمة لعملة الجنيه. يُرتَدى الجنيه كقطعة حلي أصل صنعها من الذهب الخالص، لكن توجد الفضة ومعادن أخرى ترتديها النساء بصورة أساسية للزينة، وتتمثّل معتقدات لبس خاتم الجنيه في الحفظ من الأرواح الشريرة، ولذلك ترتديه العروس لمدة أربعين يوم بعد الزواج، ويعتقد في تلك الفترة أنها تكون في أبهى جمالها وأن الأرواح الشريرة تكثُر من حولها، وأيضاً ترتديه المرأة النَفَسَاء في فترة النفاس لذات المعتقد، أيضاً يرتديه العريس لمدة سبعة أيام من زواجه. من هذا المنطلق وُضع لبس خاتم الجنيه للحماية من الطاقات السلبية التي يمكن أن تضرّ الإنسان.
بينما الأحجبة والحريرة والجنيه كلها تمائم تعني الحماية وقطع التواصل مع العوالم الأخرى، إلا أن هناك ممارسات أخرى مهمتها التواصل مع الجن مباشرة، لطرح أسئلة أو غيرها، أشهرها "رمي الوَدِع" و"الزَّار/الظّار". رمي الودع هو نوع من أنواع قراءة الطالع، وتُرمى فيه قواقع أو صدف البحر يختار منها سبع صدفات متشابهة وبشكل معروف، تحرك معاً داخل الكف وهي مغلقة ثم تُلقى على الأرض، لتقوم قارئة الطالع بترجمة الرسالة الناتجة من وضعية الصدفات بحسب مدى قربها أو بعدها عن بعضها، أو إن كانت مقلوبة على ظهرها أو على وجهها، فما يستقر عليه "الودع" في كل مرة له قراءة خاصة ربما تكون مؤكِّدة للقراءة السابقة أو مختلفة عنها. و عادة يبحث السائل عن إجابات عن أشخاص آخرين ومعرفة أسباب مشاكلهم، وليس شرطاً أن تكون متعلقة بالمستقبل بل قد تكون متعلقة بالماضي أو المستقبل أو مزيج منهما. ويعتقد في مقدرة قارئة الودع من التواصل مع عالم آخر وترجمة تلك الرسائل عبر استخدام الصَدَف. وذلك بعكس حالة الزار/الظار أو ما يعرف بالريح الأحمر، حيث تكون الزائرة هي "الممسوسة" وفي حاجة لتقديم طقس للجن وتلبي الكثير من الرغبات لتصبح أفضل.
يُعتقد أن الزار يأتي من أصول إفريقية، انتقل من الحبشة إلى السودان ومصر وهو طقس استحضار أرواح الأسلاف والأسياد والشيوخ وتحقيق طلباتهم أو تقمص أرواحهم بغرض شفاء المرضى ممن تتلبسهم الجن. يرى الكثير من الناس أن الزار طقس علاجي، له الفضل في علاج كثير من الحالات النفسية الهستيرية، كما هو طريقة للنساء في التعامل مع ضغوط حياتهن. ويتم عبر تحقيق طلبات الأسياد، كتخصيص طعام وموسيقى وأغانٍ وعطور وبخور وملابس وغيرها لهذا الطقس، وتحضر الطقس الكثير من النساء اللاتي يلعبن أدواراً مختلفة؛ مثل شيخة الزار ولها مساعدات ونائبة تتولى مراقبة الحفل وضبطه، وحبوبة الكانون المسؤولة من الطعام وغيرهن. وهناك اختلاف في أنواع احتفالات الزار تسمى خيوط التي تقام مع اختلاف الطقوس، حسب نوع أو جنس الجن صاحب المس، كخيط الزرق أو السود، وتكون "المزيورات" في خيط الزرق من قبائل غرب إفريقيا، مثل الهوسا والفلاتة وجنوب السودان، ويكون طعامهم وموسيقاهم وملابسهم بحسب عاداتهم الأصلية. وبصورة مشابهة خيط الحبش وخيط الخواجات وغيرهم.
بعيداً عن عالم الجن والسحر يفضل المسلمون طلب الحاجة من الله سبحانه وتعالى من غير وسيط، والتبرك بالكرامة وهي الصدقة، أيضاً تُسمى البركة وهي ممارسة اجتماعية تؤديها المجتمعات بنية التقرب والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ورفع البلاء أو تخفيف المصائب أو الشكر على نعمة أو فرح أو استجابة دعوة. كرامة البليلة عبارة عن وجبة يتم إعدادها وتوزيعها للمحتاجين والمساكين، وارتبطت أعراف معينة بكرامة البليلة أهمها أن يتم طبخ البليلة في إناء أو قِدر مفتوح حيث يعتقد أن بوخ البليلة (البُخار) يصعد إلى السماء ويأخذ معه كل الشر والأمراض والبلاء، إضافة إلى الأدعية التي يتم ترديدها أثناء الطبخ والتوزيع، ومن الشائع أن دعوة الكرامة لا تُرد أو تُرفض وكل إنسان يصادف البليلة يجب أن يَحظى بنصيبٍ منها ولو القليل للتبرُّك، لذا أُطلق عليها اسم البركة، اعتقاداً منهم في أهميتها.
تظل رغبة البشر في التواصل مع عوالم أخرى غير مرئية أمر قديم ومشترك بين أغلب شعوب العالم، لكلٍّ منهم دلالات وأغراض.
صورة الغلاف: حولية الشيخ حمد النيل في أم درمان © يوسف الشيخ

للشيوخ وأصحاب الكرامات مكانة مهمة في المجتمع السوداني، خصوصاً في المفاهيم الصوفية، كمثل الشيوخ من يتبعون الطرق الإسلامية للعلاج والرقية الشرعية، وهي تعتمد القرآن والسنة كمرجع للعلاج. السحر والشعوذة هي ممارسات محرمة في الدين الإسلامي، إلا أن هذا لا يعني أنه ليس هناك شيوخ يستخدمون السحر لأغراض أخرى، يطلق عليهم مصطلح الشيوخ الروحانيين. عادة ترتبط زيارة مثل هذه المزارات بطلبات درامية الطبع مثل جلب الحبيب، فك العوارض أو التحكم بقرار شخص، وقد تكون طلبات أكثر شراً مثل جلب الحظ السيء على شخص آخر، أو ما يسمى "بكتابة" شخص. على خلاف الشيوخ "الفقرا" وأصحاب الكرامات، يعتمد الشيوخ الروحانيين على قدرتهم على تواصل مع كائنات من عوالم أخرى، حيث يقوم الساحر بعقد اتفاق مع "خادم السحر" (جني/مارد/عفريت) على أن يُتِمَّ أمر بالنيابة عنه بعد تبادل منافع مع الساحر، وهو نوع من التواصل يعتبر محفوفاً بالمخاطر.
الجِنّ مفردها جِنِّيّ أو "جِنِّيَّة" وهو من الفعل جَنَّ (بفتح الجيم وتشديد النون وفتحها) بمعنى استَتر وغطَّى، وهم وبحسب مختلف الأديان والأساطير العربية القديمة مخلوقات تعيش في ذات العالم، ولكن لا يمكن رؤيتها عادة، وهي خارقة للطبيعة التي تدركها حواسنا، لها عقول وفهم، ويقال إنما سميت بذلك لأنها تتوارى عن الأنظار ولا تُرى. أجمع المسلمون على إقرار وجودها.
في السودان يعتقد البعض أن الاعتقاد بالجن والسحر هي عادة قديمة ترجع لعصور ما قبل نشأة الحضارة الكوشية. وفي التاريخ الحديث، يَعتقد سُكَّان جزيرة سواكن التاريخية الأثرية أن الجن يسكنها منذ عهد النبي سليمان، ومنه جاء الاسم "سواكن"، ونُسجت حولها الكثير من القصص والأساطير، فمن منّا لم يسمع عن قطط سواكن؟. وللجن وقبائل الجن الكثير من النصوص والدراسات الدينية، كما له ولعالم الغيب الكثير من الممارسات التراثية في الإرث السوداني، قد اندثر الكثير منها وما زال يمارسها البعض، وإن كان أغلب الممارسين لا يعلمون علاقتها بهذا النوع من المعتقدات.
كمثال للممارسات في الحماية من الجن ما يَتَمثَّل في صنع التمائم والأحجبة -جمع حجاب- وربط الخرز على الأطفال وحتى الماشية، هي معتقدات بأنها تحمي من الجن والأرواح الشريرة وكذلك مفهوم العالم السفلي. وما زالت تُمارس في أماكن مختلفة من السودان، مثلها مثل الحريرة، وهي عبارة عن خيوط من الحرير الخالص يُضفَر وتتخلَّله خُرزة زرقاء تُربط في معصم اليد في العادات والتقاليد السودانية المرتبطة بالزواج، الجرتق على الخصوص، والطهور. قد لا تكون الحريرة بنفس وضوح التمائم إلا أنها أيضاً ترتبط بمفهوم الحماية من الأرواح الشريرة والعين والحَسد والجن، وتقوم بالإشراف على صنعها وربطها النساء الكبار في السن؛ حيث يكنّ قريبات الزوج أو الزوجة أو الخالات والعمات والجدات، وأيضاً أم أو جدة الطفل عند الطهور (الختان).
وكتبت أستاذة أماني بشير، مديرة متحف شيكان، عن عادات منطقة الأبيض وكردفان في ما يخص خاتم الجنيه، وهو عبارة عن قطعة معدنية مرسومٌ على الوجه الأول صورة رجل والوجه الآخر قيمة لعملة الجنيه. يُرتَدى الجنيه كقطعة حلي أصل صنعها من الذهب الخالص، لكن توجد الفضة ومعادن أخرى ترتديها النساء بصورة أساسية للزينة، وتتمثّل معتقدات لبس خاتم الجنيه في الحفظ من الأرواح الشريرة، ولذلك ترتديه العروس لمدة أربعين يوم بعد الزواج، ويعتقد في تلك الفترة أنها تكون في أبهى جمالها وأن الأرواح الشريرة تكثُر من حولها، وأيضاً ترتديه المرأة النَفَسَاء في فترة النفاس لذات المعتقد، أيضاً يرتديه العريس لمدة سبعة أيام من زواجه. من هذا المنطلق وُضع لبس خاتم الجنيه للحماية من الطاقات السلبية التي يمكن أن تضرّ الإنسان.
بينما الأحجبة والحريرة والجنيه كلها تمائم تعني الحماية وقطع التواصل مع العوالم الأخرى، إلا أن هناك ممارسات أخرى مهمتها التواصل مع الجن مباشرة، لطرح أسئلة أو غيرها، أشهرها "رمي الوَدِع" و"الزَّار/الظّار". رمي الودع هو نوع من أنواع قراءة الطالع، وتُرمى فيه قواقع أو صدف البحر يختار منها سبع صدفات متشابهة وبشكل معروف، تحرك معاً داخل الكف وهي مغلقة ثم تُلقى على الأرض، لتقوم قارئة الطالع بترجمة الرسالة الناتجة من وضعية الصدفات بحسب مدى قربها أو بعدها عن بعضها، أو إن كانت مقلوبة على ظهرها أو على وجهها، فما يستقر عليه "الودع" في كل مرة له قراءة خاصة ربما تكون مؤكِّدة للقراءة السابقة أو مختلفة عنها. و عادة يبحث السائل عن إجابات عن أشخاص آخرين ومعرفة أسباب مشاكلهم، وليس شرطاً أن تكون متعلقة بالمستقبل بل قد تكون متعلقة بالماضي أو المستقبل أو مزيج منهما. ويعتقد في مقدرة قارئة الودع من التواصل مع عالم آخر وترجمة تلك الرسائل عبر استخدام الصَدَف. وذلك بعكس حالة الزار/الظار أو ما يعرف بالريح الأحمر، حيث تكون الزائرة هي "الممسوسة" وفي حاجة لتقديم طقس للجن وتلبي الكثير من الرغبات لتصبح أفضل.
يُعتقد أن الزار يأتي من أصول إفريقية، انتقل من الحبشة إلى السودان ومصر وهو طقس استحضار أرواح الأسلاف والأسياد والشيوخ وتحقيق طلباتهم أو تقمص أرواحهم بغرض شفاء المرضى ممن تتلبسهم الجن. يرى الكثير من الناس أن الزار طقس علاجي، له الفضل في علاج كثير من الحالات النفسية الهستيرية، كما هو طريقة للنساء في التعامل مع ضغوط حياتهن. ويتم عبر تحقيق طلبات الأسياد، كتخصيص طعام وموسيقى وأغانٍ وعطور وبخور وملابس وغيرها لهذا الطقس، وتحضر الطقس الكثير من النساء اللاتي يلعبن أدواراً مختلفة؛ مثل شيخة الزار ولها مساعدات ونائبة تتولى مراقبة الحفل وضبطه، وحبوبة الكانون المسؤولة من الطعام وغيرهن. وهناك اختلاف في أنواع احتفالات الزار تسمى خيوط التي تقام مع اختلاف الطقوس، حسب نوع أو جنس الجن صاحب المس، كخيط الزرق أو السود، وتكون "المزيورات" في خيط الزرق من قبائل غرب إفريقيا، مثل الهوسا والفلاتة وجنوب السودان، ويكون طعامهم وموسيقاهم وملابسهم بحسب عاداتهم الأصلية. وبصورة مشابهة خيط الحبش وخيط الخواجات وغيرهم.
بعيداً عن عالم الجن والسحر يفضل المسلمون طلب الحاجة من الله سبحانه وتعالى من غير وسيط، والتبرك بالكرامة وهي الصدقة، أيضاً تُسمى البركة وهي ممارسة اجتماعية تؤديها المجتمعات بنية التقرب والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ورفع البلاء أو تخفيف المصائب أو الشكر على نعمة أو فرح أو استجابة دعوة. كرامة البليلة عبارة عن وجبة يتم إعدادها وتوزيعها للمحتاجين والمساكين، وارتبطت أعراف معينة بكرامة البليلة أهمها أن يتم طبخ البليلة في إناء أو قِدر مفتوح حيث يعتقد أن بوخ البليلة (البُخار) يصعد إلى السماء ويأخذ معه كل الشر والأمراض والبلاء، إضافة إلى الأدعية التي يتم ترديدها أثناء الطبخ والتوزيع، ومن الشائع أن دعوة الكرامة لا تُرد أو تُرفض وكل إنسان يصادف البليلة يجب أن يَحظى بنصيبٍ منها ولو القليل للتبرُّك، لذا أُطلق عليها اسم البركة، اعتقاداً منهم في أهميتها.
تظل رغبة البشر في التواصل مع عوالم أخرى غير مرئية أمر قديم ومشترك بين أغلب شعوب العالم، لكلٍّ منهم دلالات وأغراض.
صورة الغلاف: حولية الشيخ حمد النيل في أم درمان © يوسف الشيخ

بوق

بوق
بوق مركب يتكون من قرن ظَبْي مع جزء إضافي مصمم بالشمع. يأخذ الامتداد شكل أنبوب ضيق يتمدد في منتصف الطريق ليشكل وعاءًا بيضاويًا قبل تضييقه إلى أنبوب قصير. تم تزيين الوصلة بين القرن والشمع ببذور عين العفريت.
من تراث قبيلة النوبة
تاريخ الاستحواذ: ١٩٢٨
© أمناء المتحف البريطاني
بوق مركب يتكون من قرن ظَبْي مع جزء إضافي مصمم بالشمع. يأخذ الامتداد شكل أنبوب ضيق يتمدد في منتصف الطريق ليشكل وعاءًا بيضاويًا قبل تضييقه إلى أنبوب قصير. تم تزيين الوصلة بين القرن والشمع ببذور عين العفريت.
من تراث قبيلة النوبة
تاريخ الاستحواذ: ١٩٢٨
© أمناء المتحف البريطاني

بوق مركب يتكون من قرن ظَبْي مع جزء إضافي مصمم بالشمع. يأخذ الامتداد شكل أنبوب ضيق يتمدد في منتصف الطريق ليشكل وعاءًا بيضاويًا قبل تضييقه إلى أنبوب قصير. تم تزيين الوصلة بين القرن والشمع ببذور عين العفريت.
من تراث قبيلة النوبة
تاريخ الاستحواذ: ١٩٢٨
© أمناء المتحف البريطاني

ثورة الفن

ثورة الفن
عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث ومقابلات: مي أبو صالح، ومحمد عوض مصطفى.
تقديم: عزة محمد وزينب عثمان.
تحرير: محمد عوض مصطفى، داليا عبد الإله، وحسام هلالي مع مشاركة كل من زينب عثمان وعزة محمد.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
تم التسجيل باستديو Rift Digital Lab
تصميم بوستر: عزة محمد
يمكن الاطلاع على كل اللوحات المذكورة في الحلقة في اخر الصفحة
تشكُّل الذاكرة الفنية السودانية
يستعرض هذا المقال المساحات الفنية السودانية بأشكالها المتعدِّدة وإسقاطاتها على مساحاتنا الذهنية فيما يتعلق بماهية، أنواع ومعاني الفنون. حيث يتطرَّق المقال إلى غياب المساحة الثابتة والشاملة لمختلف أنواع الفن السوداني، وأثرها على ذاكرتنا الجماعية المحلية. فهو استكشاف مِساحي لمكان الفن الفعلي وموقعه المجازي في سوداننا الماضي والحاضر.
الذاكرة كمتحف متنقِّل: استكشاف الذاكرة الفنية المحلية
غياب عامل التوثيق والمصادر المتاحة عن تاريخ الفن السوداني يجعل من سيرته سرداً يتردَّد خلاله على المسامع أسماء وسِيَر فنانين كثر، بينما تحتجب أعمالهم عن البصر. فغالباً ما تتَّسِم مهمّة التعرُّف على تاريخ الفن السوداني الحديث والمعاصر بالمجهودات البحثية الشخصية، وتسبق عملية قراءة النصوص والآراء مشاهدة الأعمال الفنية على أرض الواقع، وبرغم تعدُّد أسباب هذه المسألة، إلا أنه يستوجب التطرق على أحد أهم التَبِعات الناتجة من هذا الغياب.
إن للفجوة القائمة بين عملية ممارسة الفنون وبين إمكانية رؤية الأعمال الفنية على أرض الواقع؛ انطباعاً جذرياً وأثراً على ماهية الفن ومدى ارتباطِه بالمجتمع المحلي كليًّا. حيث يؤثِّر غياب العلاقة المساحية والاجتماعية العامّة والدائمة بين الفنَّان والمجتمع التي تمكِّنُه من استعراض فنِّه وتبادُل الآراء والأفكار والتحليلات، مؤدِّياً بذلك لضعف ارتباط المجتمع بالفن وإمكانية تغَلْغُلِه في مختَلَف مناحي الحياة اليومية.
تشكَّلَت ساحة الماضي الأدبية من عدة نُقَّاد ومفكِّرين أثْرَوا نطاق الحوار والنقد الفني، وانتقلَتْ أحاديثهم من النطاق الشفهي إلى النطاق الكتابي عندما صدَرَت عدة مطبوعات ومؤلفات ثقافية منذ منتصف القرن الماضي، تمحورت مواضيعها حول النقد الأدبي والثقافي والفني، والتحاوُر حول مختَلَف النقاشات، وإجراء لقاءات مع الفنانين تُبْقي الوصل ما بين القاريء والفنَّان (مجلة الخرطوم ومجلة الثقافة السودانية كمثال). مكوِّنين بذلك مساحة فكرية متنقِّلة وعابرة للحدود المكانية، متخلِّلَةً أذهان العديد من قُرّائِها وحاضرة كسجل موثِّق لهذه الأحاديث. خفَتَتْ أصوات هذا الحوار بعد ذلك لعدة أسباب سياسية رقابية واقتصادية، مما أدى إلى تضاؤل المساحة التحريرية الحرة وتلاشيها إلى حين آخر.

شَهِدَتْ الساحة الفنية في العقود الأخيرة تغيُّرات عدَّة فيما يخص أنواع الفنون والمفاهيم التي تحتويها الأعمال المنتجة، خاصة مع ظهور المصادر المعرفية الإلكترونية التي بدورها أتاحت للفنان الاطلاع على كمّ معرفي هائل ومفتوح المصدر، مما أَحدَثَ ثورةً غيَّرت توجُّه العديد، وألقَتْ بظلالها على نظرة الشارع العام للفن وماهيته وأهميته. إلا أن حق الممارسة ما زال محكوماً عند البعض ما بين الاعتقاد بأنَّ إنتاج العمل الفنِّي يحتاج إلى وجود هبة إلهية تستحضر نفسها وتكتفي ذاتياً، وهي التي تُوحِي للفنان وتمدُّه بكل القدرات الفكرية والتطبيقية، وما بين حصر مفهوم الممارسة الفنية على نموذج نخبوي ذي نطاق محدود ومستند على مفاهيم منفصلة عن الثقافة القومية والمحلية.
تقف الساحة الفنية الحالية عند مفترق طُرُق فيما يتعلَّق بالفنون الحرفية والمِهَن اليدوية التقليدية كصناعة الفخَّار والنجارة والحدادة. فما بين اختزالها ضمن الفنون الجميلة وإضافتها عند التعريف بالفنون التشكيلية أو اعتبارها دون مكانتها الفنية المستحقة، تكمن خطورة هذه التسميات المحددة كونها سبباً في عرقلة وتعطيل عملية الابتكار وازدهار الفنون بأنواعها واختلاق وسائل وسبل ورموز فنية جديدة تتعدَّى المسمّيات والمصطلحات ”النقدية“ المعروفة.
مفاوضات الساسة في ساحة المعرض
لسياسات الدولة تاريخ ممتد من التدخُّلات في مسار الفنون، تارةً في مظهر داعم لتسيير دعاياتها ومناهجها، وتارةً أخرى لحجب وقمع الجهود الفنية كمحاولات لكبت الرأي العام وحركة الشارع.
تم استغلال ساحة المعرض الفني من قِبَل الدولة الاستعمارية كأداة للدعاية السياسية، وقد استمرت سُلطات ما بعد الاستقلال تبنِّي هذا النهج، حيث قامت المنظَّمات السياسية، الحزب الشيوعي السوداني كمثال، باستخدام المعارض الفنية كمدخل ومحفز للأفراد للانضمام إلى العمل السياسي.
خلال الأعوام المستقرة سياسياً (١٩٦٩-٨٥) تمكَّنَ الرئيس النميري من إقامة مؤسسات ثقافية معزِّزة لفكرة المعرض كمساحة تمثيل استثنائية. تلَتْها تجارب قوى سياسية كحزب الأمة الذي بدوره استخدم المعرض الفني لعكس صورة حديثة وجاذِبة لمشروعه السياسي. تؤثِّر المعارض الفنية ذات التوجه السياسي بالأنشطة السياسية والفنية على حدٍ سواء، فيتقدم المزيد من الفنانين بفرض توجّههم السياسي على أعمالهم، في محاولة للتماشي مع الوضع الراهن،مما يغيِّر من مسارهم واتجاههم الفني.[1]
على الرغم من تبدُّل الأفراد على كرسي الحكم وتغيُّر الأنظمة الحاكمة، ظلَّت الرقابة السياسية ملقية بثقلها على كاهل الفنان، تَحُولبينه وبين إظهار تعبيره الأصدق لنفسه وللعامة. وتُعَد عملية الرقابة الفكرية موروث استعماري تبَنَّتْهُ الحكومات التي تلت الاستقلال بمنهج شمولي يمر بدرجات متفاوتة من المراقبة، والتي قامت بدورها بعزل وحجب أفكار الفنان التي لا تتماشى مع أجندة الدولة السياسية والفكرية عن الجمهور.


ومن بين الأمثلة العدّة، ما تزال تجربة الفنان إبراهيم الصلحي حدثاً يستوجب علينا ذكره، فبالرغم من إسهاماته في تشكيل مدرسة فكرية والعمل كمدرِّس في الكلية وتولِّي مناصب ذات سلطة إلا أنه لم ينجُ من زنزانات جعفر النميري السياسية. فلم تشفع له إدارة مصلحة الثقافة بوزارة الإعلام ولا إدارة المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون من فترة حبس مدتها ستة أشهر ويومان قضاها في سجن كوبر، بالإضافة إلى إقامة جبرية تلت خروجه من السجن بسبب مزاعم لادليل لها عن مشاركته في تدبير انقلاب على الحكومة الحالية آنذاك عام ١٩٧٥. مؤثِّرة تباعاً على أسلوبه الفني ومساره العملي وعاملاً أساسياً في اتخاذ قراره بالهجرة.[1]
أما كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، فلم يسْلَم أفرادها من مضايقات الأنظمة السابقة التي تنوَّعت من معاداة لفصل تام من الكلية. نقلاً عن الفنان عبد الرحمن عبد الله الملقب ب"شنقل"، وهو فنان ومدرِّس تشكيلي في معهد الفنون الجميلة، تطرَّق عضو اتحاد التشكيليين السودانيين عبد الرحمن إلى تجربته التعليمية التي حرص من خلالها على إلمام طلاب النحت بالتاريخ السوداني ليكون قاعدة لهم ليتمكنوا من إنتاج فن معاصر أصيل بالرغم من الفجوات غير الموثَّقة التي تتخلَّل تاريخنا بداية بالممالك المسيحية وانتهاءً بدولة سِنّار. حيث كانت ممارسة النحت بالتحديد مهمة لارتباط النحت بالحضارة المروية فكان جزءاً أساسياً من ثقافتهم، واندثرت ثقافة النحت عند دخول الإسلام لاعتبارها ممارسة لا تخدم العقيدة الإسلامية.
يحكيأستاذ عبد الرحمن عن جهودهم الأكاديمية والشخصية لإبقاء فن النحت على قيد الحياة بالرغم من عداءات الأنظمة الحاكمة آنذاك لفنون النحت والتي لا تعكس بالضرورة رؤى وآراء الشعب، مسترجِعاً ذكرى إحدى الجداريات التي عكفوا عليها والتي لفَتَتْ انتباه الشارع العام بشكل إيجابي، حيث توقفت السيارات وقاد الفضول الركاب للنزول ومشاهدة تثبيت جدارية "بزيانوس" بقرب صينية الأزهري بأم درمان، ويستدل عبد الرحمن بهذه الحادثة عن تلَهُّف الجمهور وتطلُّعِه للفن وتواجده في الساحة العامة بكل صُوَرِه سواء كانت نحتيّة أم تشكيلية، هذا التطلع والتلَهُّف الذي لم تنجح المؤسسات ورقابتها في إخماده.
هذه الرقابة شبه المطلقة للأفراد والمؤسَّسَات والكليات الفنية لا تعني نجاح الأنظمة بفرض أيدولوجياتها على الفنان، بل يرجِّح أيضاً أ.عبد الرحمن دور المعاداة الحكومية في صقل إيمان طلاب الكلية بقضيتهم وإصرارهم على الإنتاج الفني رغم تدهور الإمكانات الأكاديمية وضغط الرقابة وتيارات الفكر المضادة لأُسُسِهِم الفنية.

ذوبان الثلج والفن المغاير
من الجليّ أن فنون الرسم والتلوين هما الأحبّ لذائقة الجمهور السوداني، وإن ظلَّت لوحات الفن التشكيلي تغمر ساحة الفن المحلي كالوسيلة الفنية الأكثر شيوعاً، يحتلّ عامل جمالية العمل البصرية الأولوية للكثير من حيث الماهية والاستحقاقية لاعتبار العمل الفني في حد ذاته. وعلى الرغم من ذلك، يحفل تاريخ الفنون السودانية بالسُبُل المغايرة التي ابتكرها بعض الفنانين واستخدموها كوسيلة للتعبير والتعبئة والرفض.
تُعَد تجربة الفنان محمد شداد هي الأمثل للتحليل فيما يتعلّق بتفاعل واستنكار الجمهور والمحيط الفني للأعمال والمفاهيم الغير التقليدية. "معرض الثلج" عبارة ثبَتَتْ في ذاكرة المهتمِّين بالفن في السودان كعلامة للفن التركيبي المبكّر الذي اعتمده الفنان محمد شداد في منتصف السبعينيات مستعرِضاً قِطَع من الثلج مُحاطة بأكياس بلاستيكية ملأى بالمياه الملوّنة. ومثل هذا العمل الفني استكشاف مادِّي لسياقات المدرسة الكريستالية الفكرية ومفاهيمها كالشفافية والازدواجية.[1] ويمكن اعتبار هذا المعرض من ضمن الأحداث المضادة للأنظمة والمؤسسات بأنواعها، وهو عكس ما كانت تنظِّمُه الساحة الفنية آنذاك من معارض فنية مكرَّسة للمنظمات الدبلوماسية.
"معرض الثلج" يمثِّل، في مسار محمد شداد الفني، تتويجاً لسلسلة من الحركات الجمالية التي ابتدرها محمد شداد وهو طالب في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية. مبادرات محمد شداد التي يجمعها سعي منهجي متصل، فحواه النقد السياسي والأخلاقي من خلال الحركة الجمالية. فعندما كان طالباً في سنته الأولى بكلية الفنون بالخرطوم، أقام معرضه الشخصي الأول "معرض الإنسان الجالس" ومنذ الساعة الأولى تزاحَمَ الطلاب والأساتذة والعاملين بالمعهد وتجمهر طلاب من الأقسام الهندسية والتجارية داخل الصالة وعلى النوافذ لمشاهدة هذا الحدث العجيب. في استديو عُرِف باستديو ”تاريخ“ بالكلية، و فيعمق الاستديو كانت هناك منصة عليها كرسي، أجلس عليه محمد شداد "جيمس"،موديل قسم الرسم آنذاك عاري الصدر، وفوق رأسه بعدة سنتيمترات تدلت قطعة لحم كبيرة،كما كانت هناك أرغفة طازجة معروضة في الصالة. على حيطان الصالة عُلِّقَت لوحات زيتية و مائيات و رسومات بالقلم لمحمد شداد، وعلى الأرض ثلاثة أو أربعة لوحات زيتية صغيرة استعارها محمد شداد من بعض الطلاب منهم لوحات لدار السلام عبدالرحيم. بالقُرب من اللوحات كانت هناك بطاقة مكتوب عليها بخط واضح "ثمن اللوحة خمسة قُبلات". طبعاً لم يجرؤ أحد على دفع الثمن الفادح لشراء المعروضات، لكن بؤرة الاستفزاز تركَّزَت على حديث محمد شداد الذي انطلق يخطب في الجمع مبشِّراً بـ"تحرير الغرائز" كخطوة ضرورية لتحرير الإنسان، و خلاص الإنسانية إنما يكون في التخلُّص من كل عقابيل الكبت المتوارثة عبر القرون بفعل الأيديولوجيات والنصوص المقدَّسة والتقاليد البالية التي تغرِّب الإنسان عن جوهره"ككائن مجبول على الهروب من الألم نحو اللذة[2]".
استفزَّ هذا الحدث مجتمع الكلية الصغير حتى أنّ جماعة من الطلاب عقدوا محكمة رمزية لمحاكمة محمد شداد فأدانوه لنشوزه وحكموا عليه بعقوبة رمزية مقدارهاعشرة جلدات.[3]


ومن الأمثلة الأخرى التي انتفضت على تعريفات ومسمّيات الفن السوداني هو بيان المدرسة الكريستالية، فكما كانت بداية المدرسة الخرطومية[1] هي نتاجاً لغياب اللوحة التشكيلية، أشعلت شرارة المدرسة الكريستالية لوحة كبيرة بطول ٣ أمتار ونصف، رسَمَتْها الفنانة كمالا إسحق، تُصوِّر ١٥ كرة كريستالية، فيها تدرُّجات لونيّة، بعنوان "ندوة في مكعبات زجاجية" تمثِّل ما يشبه علاقة الحياة بين الإنسان والنبات.
"إنَّ الحقيقة نسبية وإطلاق الطبيعة رهين بالإنسان كأطروحة محدودة والصراع بين الإنسان والطبيعة يسير دائماً لإيجاد الصِّيَغ والمقولات التى تجعل العكس أي الإنسان المطلق تجاه المؤسسات والصيغ الطبيعية المحدودة والتي هي من صنع الإنسان نفسه.فإذا كانت الجدلية فى الفكر الكلاسيكي الحديث يُعبَّر عنها بـ( ليست هنالك ظاهرة معزولة )، ( وأن معرفة الإنسان بالمادة هى معرفته بأشكال حركة المادة ) .. فإننا وفق فكرة الكريستالة لا نتوانى ونقول أنَّ الجدلية بديل عن الطبيعة نفسها"[2]
نُشِر البيان الكريستالي في الواحد والعشرين من يناير عام ١٩٧٦، مؤجِّجاً النقاشات بِلُغَته الفلسفية والنقدية فيما يخص أخذ التراث بعين الاعتبار الذي يتعلق بالفنون.[3] فأتى بمحاولة للتمييز عن مسار مدرسة الخرطوم كما يصفه د.صلاح محمد حسن، الذي يشير إلى أن جُلّ اهتمام الكريستاليين يركِّز في العمل على وضع فكرتيْ "التحوُّل" و"الصيرورة" في مقدمة اهتمام الفن التشكيلي كقوى جوهرية بدلاً عن سيادة "السودانوية" التي تركِّز على أيديولوجيا "العودة إلى الأصل"، والتي تفرَّدَت بها مدرسة الخرطوم على مستوى الأسلوب والجماليات.

انتقالاً من العام ١٩٧٦ إلى العام ٢٠١٩، حيث أدى اعتصام المتظاهرين السِلمِيِّين المطالِبين بالعدالة في ساحة القيادة العامة بالخرطوم إلى أكبر أُطروحة فنية شَهِدَها الشعب السوداني منذ عقود.
التقط العديد من الفنانين أدواتهم متّجهين إلى ساحة القيادة كمركزهم الفني الجديد، واكتظّت المساحة ذات العشرة كيلومترات مربعة بمعارض تاريخية وثقافية وأعمال فنية مختلفة، كَسَرَت الساحة الحواجز التي عرقلت أو حالت بين الفنان والجمهور وبين نظرية الفن وممارسته، واستبدلتها بمباشرة العملية الفنية دون الاعتماد على طُرُق العرض التقليدية والشائعة، ممثِّلةً بذلك معْبَراً مهماً ومُرَحِّباً تَصُب فيه جميع أنواع الفنون التعبيرية والمفاهيمية.
تشكَّلَت ساحة القيادة من أكثر المجموعات تنوُّعاً من أعراق المجتمع السوداني، لذا كان هنالك تنوُّع فني. وقد تجلّى هذا التنوُّع على أنواع الفنون الجميلة والاستعراضية والتنصيبية. فانعكس كسر القيود التعبيرية على التدفُّق الإبداعي، وعلى تقبُّل وانفتاح الجمهور على جميع أنواع الأعمال المعروضة.
أدَّى ذلك الحدث إلى تحوُّل مساحي كبير في الساحة الفنية السودانية، وظهور الشكل الجديد لساحة القيادة كمعمل فني مكون من شتى آراء ورؤى الشعب. فانتعشت بذلك الجدارية السودانية واحتوت على شعارات ومطالب سياسية عن مفهوم الأعمال الفنية، أمثَلُها جدارية المطالبة بالقصاص لأفراد النظام السابق التي تتضمن قائمة بأسمائهم وجدارية الفنانة آلاء ساتر المتمحوِرة حول دور النساء في قيادة الثورة وأهمية تمركزهم لإبقاء شعلة المقاومة متّقِدة.
تتجلّى قوة وتأثير الفنون التي احتضَنَتْها ساحة القيادة في انصهارها داخل ذاكرة المواطن السوداني وعقله الباطن، مفسِحةً المجال لتكوُّن فضاءٍ فنيٍ جديد في الذاكرة الجماعية. ورغم قيام المليشيات العسكرية بإتلاف الأعمال الفنية ومسح معظم الجداريات، إلا أن قدرة التوثيق البصري ومحاوطة الأعمال الفنية لمنطقة الاعتصام تفوق قدرة الحكومات على طمس الحركة الفنية الثورية ومحوها من العقل الباطن وذاكرة الشعوب.

ديمومة المساحة الفنية وأثرها التراكمي
يظلّ الهدف المنشود هو نقل روح ساحة اعتصام القيادة وجوهرها إلى مساحات فنية شاملة لجميع أطياف المجتمع وتعزم على إتاحة جميع المصادر الثقافية والمعرفية للعامة، بهدف هدم العوائق السياسية والمجتمعية الماثلة بين الفرد والمجتمع، ومحاربة النظم النخبوية لإنتاج واستعراض الفنون.
ولكن تظل أغلب التحديات التي تواجه إنشاء متحف أو صرح جديد هي الموارد المطلوبة لوجود صرح ثقافي شامل، إن كانت مادية كتكاليف الإنشاء والمحافظة على البنيان ودفع النفقات الوظيفية، أم كانت موارد معرفية كالممارسة النظرية وتحليل وتفكيك ماهية وتاريخ الفن والأعمال الفنية الموجودة، وتقييم المعارض وإقامة البرامج الفنية العامة التي تشمل مواضيعها مختَلَف محاور التاريخ الفني والثقافي واهتمامات الزائر السوداني.
يجدر بالذكر هنا أن تاريخ المعارض والمساحة الفنية في السودان يزخر بالكثير من المساحات المستقلّة والمعارض التجارية التي تحتضن أعمال مفاهيمية متعددة. ورغم ذلك، يظل غياب الصرح الفني الدائم على أرض الواقع مشكِّلاً معضلة بصرية وثقافية للمُشاهد السوداني الذي ظل يسمع عن أخبار نيْل عدد من الفنانين الجوائز من دون إتاحة الفرصة للاطِّلاع على أعمالهم. مما جعل هذا الأمر من العالم الافتراضي ساحة للعرض والبحث، و تمكَّن العديد بمجهودات فردية مشاركة معلوماتهم ومصادرهم الثقافية، ولكن تظلّ الحاجة الملحَّة إلى وجود متحف فنِّي يشمل الأعمال المختلفة التي ساهمت في تشكيل الحركة الفنية السودانية، من الحرص على تبيين العوامل السياسية والاقتصادية والعرقية التي أثّرت على مسيرة الفن، وإظهار الفنون التي انعكس تأثيرها على تلك العوامل.
ومن الضروري الاطّلاع على تجارب الدول الأفريقية المجاورة،فقد مرّت بعضها بعوامل مختلفة والتي أضحت عائقاً بينها وبين الجمهور، فتكرر مشهد عدد الزيارات القليلة بالرغم من محاولات المتاحف بإشراك الجمهور المحلي من خلال برامج عامة أو معارض فنية عديدة، إلا أنها لم تفلح في جذب الجمهور المحلي،والذي يشير إلى أن المتحف يُنظَر إليه باعتباره ظاهرة نُخبوية.[1] مما يقودنا إلى التساؤل عن ماهية وكيفية عملية انتقاء الفنانين والمسؤولين وعملية اختيار الأعمال الفنية بشكل يتيح للكل التواصل والتجاوب معها.
تظل من أهم المسائل الأساسية الشائكة والأكثر تعقيداً هي ماهية تحديد أو تعريف الفن (الحديث) في سياق سوداني محلي، ومن يحدِّد ويعرِّف هذا الإطار. وكيف لهذا الصرح أن ينجو من تاريخ المتاحف الاستعماري والبصمة الغربية التي طغت على مفهوم التقييم والاستعراض الفني.
ومن الجوانب الأخرى التي تعنى بالذاكرة الفنية الجماعية، هو تغلغل الفنون وممارساتها في مختَلَف السياقات الفعلية والفكرية لتكون جزءاً لا يتجزأ من التجربة الحياتية اليومية. تنوعت وتوسعت عملية الاطّلاع والتفاعل مع الأعمال الفنية، وتجاوزت مساحة المعرض التقليدية لتشمل جميع المساحات العامة. كل هذا سمح لإتاحة الفن لجميع أطياف الشعب، مما سيؤثر بدوره على مساحة الفن الذهنية في ذاكرة الجماعة. تُعَدّ المساهمة الجماعية المستمرّة على نحو دائم من الخطوات الأساسية المساهِمة في إثراء وتطوُّر المساحة الثقافية الحالية،داعمةً لتفاعل المجتمع مع الفنانين والمهتمين بالفنون وممكِّنة للتحصُّل على السُبُل المعرفية الثقافية، وسينعكس أثر تراكمية هذه المجهودات إيجاباً على الجوانب المفاهيمية والمادية للفن السوداني.
تُعتَبَر فكرة إنشاء متحف دائم للفنون معقَّدة بعض الشئ لما تحتويه من أصداء استعمارية، ولكن تظل الغاية هي ديمومة المساحة، بغضّ النظر عن الشكل والمسمى التي تتخذه. ظلت الغاية هي نفسها، وهي توفُّر جميع الأعمال الفنية بمختَلَف مفرداتها وتجلياتها، للعامة. مشكِّلةً بذلك منْفَذَاً لما سيحيكه المستقبل من فن، والحيوات المنبثقة من جراء هذا الفعل الضروري.
اللوحات المذكورة في الحلقة









تصميم البوستر: عزة محمد
عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث ومقابلات: مي أبو صالح، ومحمد عوض مصطفى.
تقديم: عزة محمد وزينب عثمان.
تحرير: محمد عوض مصطفى، داليا عبد الإله، وحسام هلالي مع مشاركة كل من زينب عثمان وعزة محمد.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
تم التسجيل باستديو Rift Digital Lab
تصميم بوستر: عزة محمد
يمكن الاطلاع على كل اللوحات المذكورة في الحلقة في اخر الصفحة
تشكُّل الذاكرة الفنية السودانية
يستعرض هذا المقال المساحات الفنية السودانية بأشكالها المتعدِّدة وإسقاطاتها على مساحاتنا الذهنية فيما يتعلق بماهية، أنواع ومعاني الفنون. حيث يتطرَّق المقال إلى غياب المساحة الثابتة والشاملة لمختلف أنواع الفن السوداني، وأثرها على ذاكرتنا الجماعية المحلية. فهو استكشاف مِساحي لمكان الفن الفعلي وموقعه المجازي في سوداننا الماضي والحاضر.
الذاكرة كمتحف متنقِّل: استكشاف الذاكرة الفنية المحلية
غياب عامل التوثيق والمصادر المتاحة عن تاريخ الفن السوداني يجعل من سيرته سرداً يتردَّد خلاله على المسامع أسماء وسِيَر فنانين كثر، بينما تحتجب أعمالهم عن البصر. فغالباً ما تتَّسِم مهمّة التعرُّف على تاريخ الفن السوداني الحديث والمعاصر بالمجهودات البحثية الشخصية، وتسبق عملية قراءة النصوص والآراء مشاهدة الأعمال الفنية على أرض الواقع، وبرغم تعدُّد أسباب هذه المسألة، إلا أنه يستوجب التطرق على أحد أهم التَبِعات الناتجة من هذا الغياب.
إن للفجوة القائمة بين عملية ممارسة الفنون وبين إمكانية رؤية الأعمال الفنية على أرض الواقع؛ انطباعاً جذرياً وأثراً على ماهية الفن ومدى ارتباطِه بالمجتمع المحلي كليًّا. حيث يؤثِّر غياب العلاقة المساحية والاجتماعية العامّة والدائمة بين الفنَّان والمجتمع التي تمكِّنُه من استعراض فنِّه وتبادُل الآراء والأفكار والتحليلات، مؤدِّياً بذلك لضعف ارتباط المجتمع بالفن وإمكانية تغَلْغُلِه في مختَلَف مناحي الحياة اليومية.
تشكَّلَت ساحة الماضي الأدبية من عدة نُقَّاد ومفكِّرين أثْرَوا نطاق الحوار والنقد الفني، وانتقلَتْ أحاديثهم من النطاق الشفهي إلى النطاق الكتابي عندما صدَرَت عدة مطبوعات ومؤلفات ثقافية منذ منتصف القرن الماضي، تمحورت مواضيعها حول النقد الأدبي والثقافي والفني، والتحاوُر حول مختَلَف النقاشات، وإجراء لقاءات مع الفنانين تُبْقي الوصل ما بين القاريء والفنَّان (مجلة الخرطوم ومجلة الثقافة السودانية كمثال). مكوِّنين بذلك مساحة فكرية متنقِّلة وعابرة للحدود المكانية، متخلِّلَةً أذهان العديد من قُرّائِها وحاضرة كسجل موثِّق لهذه الأحاديث. خفَتَتْ أصوات هذا الحوار بعد ذلك لعدة أسباب سياسية رقابية واقتصادية، مما أدى إلى تضاؤل المساحة التحريرية الحرة وتلاشيها إلى حين آخر.

شَهِدَتْ الساحة الفنية في العقود الأخيرة تغيُّرات عدَّة فيما يخص أنواع الفنون والمفاهيم التي تحتويها الأعمال المنتجة، خاصة مع ظهور المصادر المعرفية الإلكترونية التي بدورها أتاحت للفنان الاطلاع على كمّ معرفي هائل ومفتوح المصدر، مما أَحدَثَ ثورةً غيَّرت توجُّه العديد، وألقَتْ بظلالها على نظرة الشارع العام للفن وماهيته وأهميته. إلا أن حق الممارسة ما زال محكوماً عند البعض ما بين الاعتقاد بأنَّ إنتاج العمل الفنِّي يحتاج إلى وجود هبة إلهية تستحضر نفسها وتكتفي ذاتياً، وهي التي تُوحِي للفنان وتمدُّه بكل القدرات الفكرية والتطبيقية، وما بين حصر مفهوم الممارسة الفنية على نموذج نخبوي ذي نطاق محدود ومستند على مفاهيم منفصلة عن الثقافة القومية والمحلية.
تقف الساحة الفنية الحالية عند مفترق طُرُق فيما يتعلَّق بالفنون الحرفية والمِهَن اليدوية التقليدية كصناعة الفخَّار والنجارة والحدادة. فما بين اختزالها ضمن الفنون الجميلة وإضافتها عند التعريف بالفنون التشكيلية أو اعتبارها دون مكانتها الفنية المستحقة، تكمن خطورة هذه التسميات المحددة كونها سبباً في عرقلة وتعطيل عملية الابتكار وازدهار الفنون بأنواعها واختلاق وسائل وسبل ورموز فنية جديدة تتعدَّى المسمّيات والمصطلحات ”النقدية“ المعروفة.
مفاوضات الساسة في ساحة المعرض
لسياسات الدولة تاريخ ممتد من التدخُّلات في مسار الفنون، تارةً في مظهر داعم لتسيير دعاياتها ومناهجها، وتارةً أخرى لحجب وقمع الجهود الفنية كمحاولات لكبت الرأي العام وحركة الشارع.
تم استغلال ساحة المعرض الفني من قِبَل الدولة الاستعمارية كأداة للدعاية السياسية، وقد استمرت سُلطات ما بعد الاستقلال تبنِّي هذا النهج، حيث قامت المنظَّمات السياسية، الحزب الشيوعي السوداني كمثال، باستخدام المعارض الفنية كمدخل ومحفز للأفراد للانضمام إلى العمل السياسي.
خلال الأعوام المستقرة سياسياً (١٩٦٩-٨٥) تمكَّنَ الرئيس النميري من إقامة مؤسسات ثقافية معزِّزة لفكرة المعرض كمساحة تمثيل استثنائية. تلَتْها تجارب قوى سياسية كحزب الأمة الذي بدوره استخدم المعرض الفني لعكس صورة حديثة وجاذِبة لمشروعه السياسي. تؤثِّر المعارض الفنية ذات التوجه السياسي بالأنشطة السياسية والفنية على حدٍ سواء، فيتقدم المزيد من الفنانين بفرض توجّههم السياسي على أعمالهم، في محاولة للتماشي مع الوضع الراهن،مما يغيِّر من مسارهم واتجاههم الفني.[1]
على الرغم من تبدُّل الأفراد على كرسي الحكم وتغيُّر الأنظمة الحاكمة، ظلَّت الرقابة السياسية ملقية بثقلها على كاهل الفنان، تَحُولبينه وبين إظهار تعبيره الأصدق لنفسه وللعامة. وتُعَد عملية الرقابة الفكرية موروث استعماري تبَنَّتْهُ الحكومات التي تلت الاستقلال بمنهج شمولي يمر بدرجات متفاوتة من المراقبة، والتي قامت بدورها بعزل وحجب أفكار الفنان التي لا تتماشى مع أجندة الدولة السياسية والفكرية عن الجمهور.


ومن بين الأمثلة العدّة، ما تزال تجربة الفنان إبراهيم الصلحي حدثاً يستوجب علينا ذكره، فبالرغم من إسهاماته في تشكيل مدرسة فكرية والعمل كمدرِّس في الكلية وتولِّي مناصب ذات سلطة إلا أنه لم ينجُ من زنزانات جعفر النميري السياسية. فلم تشفع له إدارة مصلحة الثقافة بوزارة الإعلام ولا إدارة المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون من فترة حبس مدتها ستة أشهر ويومان قضاها في سجن كوبر، بالإضافة إلى إقامة جبرية تلت خروجه من السجن بسبب مزاعم لادليل لها عن مشاركته في تدبير انقلاب على الحكومة الحالية آنذاك عام ١٩٧٥. مؤثِّرة تباعاً على أسلوبه الفني ومساره العملي وعاملاً أساسياً في اتخاذ قراره بالهجرة.[1]
أما كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، فلم يسْلَم أفرادها من مضايقات الأنظمة السابقة التي تنوَّعت من معاداة لفصل تام من الكلية. نقلاً عن الفنان عبد الرحمن عبد الله الملقب ب"شنقل"، وهو فنان ومدرِّس تشكيلي في معهد الفنون الجميلة، تطرَّق عضو اتحاد التشكيليين السودانيين عبد الرحمن إلى تجربته التعليمية التي حرص من خلالها على إلمام طلاب النحت بالتاريخ السوداني ليكون قاعدة لهم ليتمكنوا من إنتاج فن معاصر أصيل بالرغم من الفجوات غير الموثَّقة التي تتخلَّل تاريخنا بداية بالممالك المسيحية وانتهاءً بدولة سِنّار. حيث كانت ممارسة النحت بالتحديد مهمة لارتباط النحت بالحضارة المروية فكان جزءاً أساسياً من ثقافتهم، واندثرت ثقافة النحت عند دخول الإسلام لاعتبارها ممارسة لا تخدم العقيدة الإسلامية.
يحكيأستاذ عبد الرحمن عن جهودهم الأكاديمية والشخصية لإبقاء فن النحت على قيد الحياة بالرغم من عداءات الأنظمة الحاكمة آنذاك لفنون النحت والتي لا تعكس بالضرورة رؤى وآراء الشعب، مسترجِعاً ذكرى إحدى الجداريات التي عكفوا عليها والتي لفَتَتْ انتباه الشارع العام بشكل إيجابي، حيث توقفت السيارات وقاد الفضول الركاب للنزول ومشاهدة تثبيت جدارية "بزيانوس" بقرب صينية الأزهري بأم درمان، ويستدل عبد الرحمن بهذه الحادثة عن تلَهُّف الجمهور وتطلُّعِه للفن وتواجده في الساحة العامة بكل صُوَرِه سواء كانت نحتيّة أم تشكيلية، هذا التطلع والتلَهُّف الذي لم تنجح المؤسسات ورقابتها في إخماده.
هذه الرقابة شبه المطلقة للأفراد والمؤسَّسَات والكليات الفنية لا تعني نجاح الأنظمة بفرض أيدولوجياتها على الفنان، بل يرجِّح أيضاً أ.عبد الرحمن دور المعاداة الحكومية في صقل إيمان طلاب الكلية بقضيتهم وإصرارهم على الإنتاج الفني رغم تدهور الإمكانات الأكاديمية وضغط الرقابة وتيارات الفكر المضادة لأُسُسِهِم الفنية.

ذوبان الثلج والفن المغاير
من الجليّ أن فنون الرسم والتلوين هما الأحبّ لذائقة الجمهور السوداني، وإن ظلَّت لوحات الفن التشكيلي تغمر ساحة الفن المحلي كالوسيلة الفنية الأكثر شيوعاً، يحتلّ عامل جمالية العمل البصرية الأولوية للكثير من حيث الماهية والاستحقاقية لاعتبار العمل الفني في حد ذاته. وعلى الرغم من ذلك، يحفل تاريخ الفنون السودانية بالسُبُل المغايرة التي ابتكرها بعض الفنانين واستخدموها كوسيلة للتعبير والتعبئة والرفض.
تُعَد تجربة الفنان محمد شداد هي الأمثل للتحليل فيما يتعلّق بتفاعل واستنكار الجمهور والمحيط الفني للأعمال والمفاهيم الغير التقليدية. "معرض الثلج" عبارة ثبَتَتْ في ذاكرة المهتمِّين بالفن في السودان كعلامة للفن التركيبي المبكّر الذي اعتمده الفنان محمد شداد في منتصف السبعينيات مستعرِضاً قِطَع من الثلج مُحاطة بأكياس بلاستيكية ملأى بالمياه الملوّنة. ومثل هذا العمل الفني استكشاف مادِّي لسياقات المدرسة الكريستالية الفكرية ومفاهيمها كالشفافية والازدواجية.[1] ويمكن اعتبار هذا المعرض من ضمن الأحداث المضادة للأنظمة والمؤسسات بأنواعها، وهو عكس ما كانت تنظِّمُه الساحة الفنية آنذاك من معارض فنية مكرَّسة للمنظمات الدبلوماسية.
"معرض الثلج" يمثِّل، في مسار محمد شداد الفني، تتويجاً لسلسلة من الحركات الجمالية التي ابتدرها محمد شداد وهو طالب في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية. مبادرات محمد شداد التي يجمعها سعي منهجي متصل، فحواه النقد السياسي والأخلاقي من خلال الحركة الجمالية. فعندما كان طالباً في سنته الأولى بكلية الفنون بالخرطوم، أقام معرضه الشخصي الأول "معرض الإنسان الجالس" ومنذ الساعة الأولى تزاحَمَ الطلاب والأساتذة والعاملين بالمعهد وتجمهر طلاب من الأقسام الهندسية والتجارية داخل الصالة وعلى النوافذ لمشاهدة هذا الحدث العجيب. في استديو عُرِف باستديو ”تاريخ“ بالكلية، و فيعمق الاستديو كانت هناك منصة عليها كرسي، أجلس عليه محمد شداد "جيمس"،موديل قسم الرسم آنذاك عاري الصدر، وفوق رأسه بعدة سنتيمترات تدلت قطعة لحم كبيرة،كما كانت هناك أرغفة طازجة معروضة في الصالة. على حيطان الصالة عُلِّقَت لوحات زيتية و مائيات و رسومات بالقلم لمحمد شداد، وعلى الأرض ثلاثة أو أربعة لوحات زيتية صغيرة استعارها محمد شداد من بعض الطلاب منهم لوحات لدار السلام عبدالرحيم. بالقُرب من اللوحات كانت هناك بطاقة مكتوب عليها بخط واضح "ثمن اللوحة خمسة قُبلات". طبعاً لم يجرؤ أحد على دفع الثمن الفادح لشراء المعروضات، لكن بؤرة الاستفزاز تركَّزَت على حديث محمد شداد الذي انطلق يخطب في الجمع مبشِّراً بـ"تحرير الغرائز" كخطوة ضرورية لتحرير الإنسان، و خلاص الإنسانية إنما يكون في التخلُّص من كل عقابيل الكبت المتوارثة عبر القرون بفعل الأيديولوجيات والنصوص المقدَّسة والتقاليد البالية التي تغرِّب الإنسان عن جوهره"ككائن مجبول على الهروب من الألم نحو اللذة[2]".
استفزَّ هذا الحدث مجتمع الكلية الصغير حتى أنّ جماعة من الطلاب عقدوا محكمة رمزية لمحاكمة محمد شداد فأدانوه لنشوزه وحكموا عليه بعقوبة رمزية مقدارهاعشرة جلدات.[3]


ومن الأمثلة الأخرى التي انتفضت على تعريفات ومسمّيات الفن السوداني هو بيان المدرسة الكريستالية، فكما كانت بداية المدرسة الخرطومية[1] هي نتاجاً لغياب اللوحة التشكيلية، أشعلت شرارة المدرسة الكريستالية لوحة كبيرة بطول ٣ أمتار ونصف، رسَمَتْها الفنانة كمالا إسحق، تُصوِّر ١٥ كرة كريستالية، فيها تدرُّجات لونيّة، بعنوان "ندوة في مكعبات زجاجية" تمثِّل ما يشبه علاقة الحياة بين الإنسان والنبات.
"إنَّ الحقيقة نسبية وإطلاق الطبيعة رهين بالإنسان كأطروحة محدودة والصراع بين الإنسان والطبيعة يسير دائماً لإيجاد الصِّيَغ والمقولات التى تجعل العكس أي الإنسان المطلق تجاه المؤسسات والصيغ الطبيعية المحدودة والتي هي من صنع الإنسان نفسه.فإذا كانت الجدلية فى الفكر الكلاسيكي الحديث يُعبَّر عنها بـ( ليست هنالك ظاهرة معزولة )، ( وأن معرفة الإنسان بالمادة هى معرفته بأشكال حركة المادة ) .. فإننا وفق فكرة الكريستالة لا نتوانى ونقول أنَّ الجدلية بديل عن الطبيعة نفسها"[2]
نُشِر البيان الكريستالي في الواحد والعشرين من يناير عام ١٩٧٦، مؤجِّجاً النقاشات بِلُغَته الفلسفية والنقدية فيما يخص أخذ التراث بعين الاعتبار الذي يتعلق بالفنون.[3] فأتى بمحاولة للتمييز عن مسار مدرسة الخرطوم كما يصفه د.صلاح محمد حسن، الذي يشير إلى أن جُلّ اهتمام الكريستاليين يركِّز في العمل على وضع فكرتيْ "التحوُّل" و"الصيرورة" في مقدمة اهتمام الفن التشكيلي كقوى جوهرية بدلاً عن سيادة "السودانوية" التي تركِّز على أيديولوجيا "العودة إلى الأصل"، والتي تفرَّدَت بها مدرسة الخرطوم على مستوى الأسلوب والجماليات.

انتقالاً من العام ١٩٧٦ إلى العام ٢٠١٩، حيث أدى اعتصام المتظاهرين السِلمِيِّين المطالِبين بالعدالة في ساحة القيادة العامة بالخرطوم إلى أكبر أُطروحة فنية شَهِدَها الشعب السوداني منذ عقود.
التقط العديد من الفنانين أدواتهم متّجهين إلى ساحة القيادة كمركزهم الفني الجديد، واكتظّت المساحة ذات العشرة كيلومترات مربعة بمعارض تاريخية وثقافية وأعمال فنية مختلفة، كَسَرَت الساحة الحواجز التي عرقلت أو حالت بين الفنان والجمهور وبين نظرية الفن وممارسته، واستبدلتها بمباشرة العملية الفنية دون الاعتماد على طُرُق العرض التقليدية والشائعة، ممثِّلةً بذلك معْبَراً مهماً ومُرَحِّباً تَصُب فيه جميع أنواع الفنون التعبيرية والمفاهيمية.
تشكَّلَت ساحة القيادة من أكثر المجموعات تنوُّعاً من أعراق المجتمع السوداني، لذا كان هنالك تنوُّع فني. وقد تجلّى هذا التنوُّع على أنواع الفنون الجميلة والاستعراضية والتنصيبية. فانعكس كسر القيود التعبيرية على التدفُّق الإبداعي، وعلى تقبُّل وانفتاح الجمهور على جميع أنواع الأعمال المعروضة.
أدَّى ذلك الحدث إلى تحوُّل مساحي كبير في الساحة الفنية السودانية، وظهور الشكل الجديد لساحة القيادة كمعمل فني مكون من شتى آراء ورؤى الشعب. فانتعشت بذلك الجدارية السودانية واحتوت على شعارات ومطالب سياسية عن مفهوم الأعمال الفنية، أمثَلُها جدارية المطالبة بالقصاص لأفراد النظام السابق التي تتضمن قائمة بأسمائهم وجدارية الفنانة آلاء ساتر المتمحوِرة حول دور النساء في قيادة الثورة وأهمية تمركزهم لإبقاء شعلة المقاومة متّقِدة.
تتجلّى قوة وتأثير الفنون التي احتضَنَتْها ساحة القيادة في انصهارها داخل ذاكرة المواطن السوداني وعقله الباطن، مفسِحةً المجال لتكوُّن فضاءٍ فنيٍ جديد في الذاكرة الجماعية. ورغم قيام المليشيات العسكرية بإتلاف الأعمال الفنية ومسح معظم الجداريات، إلا أن قدرة التوثيق البصري ومحاوطة الأعمال الفنية لمنطقة الاعتصام تفوق قدرة الحكومات على طمس الحركة الفنية الثورية ومحوها من العقل الباطن وذاكرة الشعوب.

ديمومة المساحة الفنية وأثرها التراكمي
يظلّ الهدف المنشود هو نقل روح ساحة اعتصام القيادة وجوهرها إلى مساحات فنية شاملة لجميع أطياف المجتمع وتعزم على إتاحة جميع المصادر الثقافية والمعرفية للعامة، بهدف هدم العوائق السياسية والمجتمعية الماثلة بين الفرد والمجتمع، ومحاربة النظم النخبوية لإنتاج واستعراض الفنون.
ولكن تظل أغلب التحديات التي تواجه إنشاء متحف أو صرح جديد هي الموارد المطلوبة لوجود صرح ثقافي شامل، إن كانت مادية كتكاليف الإنشاء والمحافظة على البنيان ودفع النفقات الوظيفية، أم كانت موارد معرفية كالممارسة النظرية وتحليل وتفكيك ماهية وتاريخ الفن والأعمال الفنية الموجودة، وتقييم المعارض وإقامة البرامج الفنية العامة التي تشمل مواضيعها مختَلَف محاور التاريخ الفني والثقافي واهتمامات الزائر السوداني.
يجدر بالذكر هنا أن تاريخ المعارض والمساحة الفنية في السودان يزخر بالكثير من المساحات المستقلّة والمعارض التجارية التي تحتضن أعمال مفاهيمية متعددة. ورغم ذلك، يظل غياب الصرح الفني الدائم على أرض الواقع مشكِّلاً معضلة بصرية وثقافية للمُشاهد السوداني الذي ظل يسمع عن أخبار نيْل عدد من الفنانين الجوائز من دون إتاحة الفرصة للاطِّلاع على أعمالهم. مما جعل هذا الأمر من العالم الافتراضي ساحة للعرض والبحث، و تمكَّن العديد بمجهودات فردية مشاركة معلوماتهم ومصادرهم الثقافية، ولكن تظلّ الحاجة الملحَّة إلى وجود متحف فنِّي يشمل الأعمال المختلفة التي ساهمت في تشكيل الحركة الفنية السودانية، من الحرص على تبيين العوامل السياسية والاقتصادية والعرقية التي أثّرت على مسيرة الفن، وإظهار الفنون التي انعكس تأثيرها على تلك العوامل.
ومن الضروري الاطّلاع على تجارب الدول الأفريقية المجاورة،فقد مرّت بعضها بعوامل مختلفة والتي أضحت عائقاً بينها وبين الجمهور، فتكرر مشهد عدد الزيارات القليلة بالرغم من محاولات المتاحف بإشراك الجمهور المحلي من خلال برامج عامة أو معارض فنية عديدة، إلا أنها لم تفلح في جذب الجمهور المحلي،والذي يشير إلى أن المتحف يُنظَر إليه باعتباره ظاهرة نُخبوية.[1] مما يقودنا إلى التساؤل عن ماهية وكيفية عملية انتقاء الفنانين والمسؤولين وعملية اختيار الأعمال الفنية بشكل يتيح للكل التواصل والتجاوب معها.
تظل من أهم المسائل الأساسية الشائكة والأكثر تعقيداً هي ماهية تحديد أو تعريف الفن (الحديث) في سياق سوداني محلي، ومن يحدِّد ويعرِّف هذا الإطار. وكيف لهذا الصرح أن ينجو من تاريخ المتاحف الاستعماري والبصمة الغربية التي طغت على مفهوم التقييم والاستعراض الفني.
ومن الجوانب الأخرى التي تعنى بالذاكرة الفنية الجماعية، هو تغلغل الفنون وممارساتها في مختَلَف السياقات الفعلية والفكرية لتكون جزءاً لا يتجزأ من التجربة الحياتية اليومية. تنوعت وتوسعت عملية الاطّلاع والتفاعل مع الأعمال الفنية، وتجاوزت مساحة المعرض التقليدية لتشمل جميع المساحات العامة. كل هذا سمح لإتاحة الفن لجميع أطياف الشعب، مما سيؤثر بدوره على مساحة الفن الذهنية في ذاكرة الجماعة. تُعَدّ المساهمة الجماعية المستمرّة على نحو دائم من الخطوات الأساسية المساهِمة في إثراء وتطوُّر المساحة الثقافية الحالية،داعمةً لتفاعل المجتمع مع الفنانين والمهتمين بالفنون وممكِّنة للتحصُّل على السُبُل المعرفية الثقافية، وسينعكس أثر تراكمية هذه المجهودات إيجاباً على الجوانب المفاهيمية والمادية للفن السوداني.
تُعتَبَر فكرة إنشاء متحف دائم للفنون معقَّدة بعض الشئ لما تحتويه من أصداء استعمارية، ولكن تظل الغاية هي ديمومة المساحة، بغضّ النظر عن الشكل والمسمى التي تتخذه. ظلت الغاية هي نفسها، وهي توفُّر جميع الأعمال الفنية بمختَلَف مفرداتها وتجلياتها، للعامة. مشكِّلةً بذلك منْفَذَاً لما سيحيكه المستقبل من فن، والحيوات المنبثقة من جراء هذا الفعل الضروري.
اللوحات المذكورة في الحلقة









تصميم البوستر: عزة محمد

عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث ومقابلات: مي أبو صالح، ومحمد عوض مصطفى.
تقديم: عزة محمد وزينب عثمان.
تحرير: محمد عوض مصطفى، داليا عبد الإله، وحسام هلالي مع مشاركة كل من زينب عثمان وعزة محمد.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
تم التسجيل باستديو Rift Digital Lab
تصميم بوستر: عزة محمد
يمكن الاطلاع على كل اللوحات المذكورة في الحلقة في اخر الصفحة
تشكُّل الذاكرة الفنية السودانية
يستعرض هذا المقال المساحات الفنية السودانية بأشكالها المتعدِّدة وإسقاطاتها على مساحاتنا الذهنية فيما يتعلق بماهية، أنواع ومعاني الفنون. حيث يتطرَّق المقال إلى غياب المساحة الثابتة والشاملة لمختلف أنواع الفن السوداني، وأثرها على ذاكرتنا الجماعية المحلية. فهو استكشاف مِساحي لمكان الفن الفعلي وموقعه المجازي في سوداننا الماضي والحاضر.
الذاكرة كمتحف متنقِّل: استكشاف الذاكرة الفنية المحلية
غياب عامل التوثيق والمصادر المتاحة عن تاريخ الفن السوداني يجعل من سيرته سرداً يتردَّد خلاله على المسامع أسماء وسِيَر فنانين كثر، بينما تحتجب أعمالهم عن البصر. فغالباً ما تتَّسِم مهمّة التعرُّف على تاريخ الفن السوداني الحديث والمعاصر بالمجهودات البحثية الشخصية، وتسبق عملية قراءة النصوص والآراء مشاهدة الأعمال الفنية على أرض الواقع، وبرغم تعدُّد أسباب هذه المسألة، إلا أنه يستوجب التطرق على أحد أهم التَبِعات الناتجة من هذا الغياب.
إن للفجوة القائمة بين عملية ممارسة الفنون وبين إمكانية رؤية الأعمال الفنية على أرض الواقع؛ انطباعاً جذرياً وأثراً على ماهية الفن ومدى ارتباطِه بالمجتمع المحلي كليًّا. حيث يؤثِّر غياب العلاقة المساحية والاجتماعية العامّة والدائمة بين الفنَّان والمجتمع التي تمكِّنُه من استعراض فنِّه وتبادُل الآراء والأفكار والتحليلات، مؤدِّياً بذلك لضعف ارتباط المجتمع بالفن وإمكانية تغَلْغُلِه في مختَلَف مناحي الحياة اليومية.
تشكَّلَت ساحة الماضي الأدبية من عدة نُقَّاد ومفكِّرين أثْرَوا نطاق الحوار والنقد الفني، وانتقلَتْ أحاديثهم من النطاق الشفهي إلى النطاق الكتابي عندما صدَرَت عدة مطبوعات ومؤلفات ثقافية منذ منتصف القرن الماضي، تمحورت مواضيعها حول النقد الأدبي والثقافي والفني، والتحاوُر حول مختَلَف النقاشات، وإجراء لقاءات مع الفنانين تُبْقي الوصل ما بين القاريء والفنَّان (مجلة الخرطوم ومجلة الثقافة السودانية كمثال). مكوِّنين بذلك مساحة فكرية متنقِّلة وعابرة للحدود المكانية، متخلِّلَةً أذهان العديد من قُرّائِها وحاضرة كسجل موثِّق لهذه الأحاديث. خفَتَتْ أصوات هذا الحوار بعد ذلك لعدة أسباب سياسية رقابية واقتصادية، مما أدى إلى تضاؤل المساحة التحريرية الحرة وتلاشيها إلى حين آخر.

شَهِدَتْ الساحة الفنية في العقود الأخيرة تغيُّرات عدَّة فيما يخص أنواع الفنون والمفاهيم التي تحتويها الأعمال المنتجة، خاصة مع ظهور المصادر المعرفية الإلكترونية التي بدورها أتاحت للفنان الاطلاع على كمّ معرفي هائل ومفتوح المصدر، مما أَحدَثَ ثورةً غيَّرت توجُّه العديد، وألقَتْ بظلالها على نظرة الشارع العام للفن وماهيته وأهميته. إلا أن حق الممارسة ما زال محكوماً عند البعض ما بين الاعتقاد بأنَّ إنتاج العمل الفنِّي يحتاج إلى وجود هبة إلهية تستحضر نفسها وتكتفي ذاتياً، وهي التي تُوحِي للفنان وتمدُّه بكل القدرات الفكرية والتطبيقية، وما بين حصر مفهوم الممارسة الفنية على نموذج نخبوي ذي نطاق محدود ومستند على مفاهيم منفصلة عن الثقافة القومية والمحلية.
تقف الساحة الفنية الحالية عند مفترق طُرُق فيما يتعلَّق بالفنون الحرفية والمِهَن اليدوية التقليدية كصناعة الفخَّار والنجارة والحدادة. فما بين اختزالها ضمن الفنون الجميلة وإضافتها عند التعريف بالفنون التشكيلية أو اعتبارها دون مكانتها الفنية المستحقة، تكمن خطورة هذه التسميات المحددة كونها سبباً في عرقلة وتعطيل عملية الابتكار وازدهار الفنون بأنواعها واختلاق وسائل وسبل ورموز فنية جديدة تتعدَّى المسمّيات والمصطلحات ”النقدية“ المعروفة.
مفاوضات الساسة في ساحة المعرض
لسياسات الدولة تاريخ ممتد من التدخُّلات في مسار الفنون، تارةً في مظهر داعم لتسيير دعاياتها ومناهجها، وتارةً أخرى لحجب وقمع الجهود الفنية كمحاولات لكبت الرأي العام وحركة الشارع.
تم استغلال ساحة المعرض الفني من قِبَل الدولة الاستعمارية كأداة للدعاية السياسية، وقد استمرت سُلطات ما بعد الاستقلال تبنِّي هذا النهج، حيث قامت المنظَّمات السياسية، الحزب الشيوعي السوداني كمثال، باستخدام المعارض الفنية كمدخل ومحفز للأفراد للانضمام إلى العمل السياسي.
خلال الأعوام المستقرة سياسياً (١٩٦٩-٨٥) تمكَّنَ الرئيس النميري من إقامة مؤسسات ثقافية معزِّزة لفكرة المعرض كمساحة تمثيل استثنائية. تلَتْها تجارب قوى سياسية كحزب الأمة الذي بدوره استخدم المعرض الفني لعكس صورة حديثة وجاذِبة لمشروعه السياسي. تؤثِّر المعارض الفنية ذات التوجه السياسي بالأنشطة السياسية والفنية على حدٍ سواء، فيتقدم المزيد من الفنانين بفرض توجّههم السياسي على أعمالهم، في محاولة للتماشي مع الوضع الراهن،مما يغيِّر من مسارهم واتجاههم الفني.[1]
على الرغم من تبدُّل الأفراد على كرسي الحكم وتغيُّر الأنظمة الحاكمة، ظلَّت الرقابة السياسية ملقية بثقلها على كاهل الفنان، تَحُولبينه وبين إظهار تعبيره الأصدق لنفسه وللعامة. وتُعَد عملية الرقابة الفكرية موروث استعماري تبَنَّتْهُ الحكومات التي تلت الاستقلال بمنهج شمولي يمر بدرجات متفاوتة من المراقبة، والتي قامت بدورها بعزل وحجب أفكار الفنان التي لا تتماشى مع أجندة الدولة السياسية والفكرية عن الجمهور.


ومن بين الأمثلة العدّة، ما تزال تجربة الفنان إبراهيم الصلحي حدثاً يستوجب علينا ذكره، فبالرغم من إسهاماته في تشكيل مدرسة فكرية والعمل كمدرِّس في الكلية وتولِّي مناصب ذات سلطة إلا أنه لم ينجُ من زنزانات جعفر النميري السياسية. فلم تشفع له إدارة مصلحة الثقافة بوزارة الإعلام ولا إدارة المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون من فترة حبس مدتها ستة أشهر ويومان قضاها في سجن كوبر، بالإضافة إلى إقامة جبرية تلت خروجه من السجن بسبب مزاعم لادليل لها عن مشاركته في تدبير انقلاب على الحكومة الحالية آنذاك عام ١٩٧٥. مؤثِّرة تباعاً على أسلوبه الفني ومساره العملي وعاملاً أساسياً في اتخاذ قراره بالهجرة.[1]
أما كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، فلم يسْلَم أفرادها من مضايقات الأنظمة السابقة التي تنوَّعت من معاداة لفصل تام من الكلية. نقلاً عن الفنان عبد الرحمن عبد الله الملقب ب"شنقل"، وهو فنان ومدرِّس تشكيلي في معهد الفنون الجميلة، تطرَّق عضو اتحاد التشكيليين السودانيين عبد الرحمن إلى تجربته التعليمية التي حرص من خلالها على إلمام طلاب النحت بالتاريخ السوداني ليكون قاعدة لهم ليتمكنوا من إنتاج فن معاصر أصيل بالرغم من الفجوات غير الموثَّقة التي تتخلَّل تاريخنا بداية بالممالك المسيحية وانتهاءً بدولة سِنّار. حيث كانت ممارسة النحت بالتحديد مهمة لارتباط النحت بالحضارة المروية فكان جزءاً أساسياً من ثقافتهم، واندثرت ثقافة النحت عند دخول الإسلام لاعتبارها ممارسة لا تخدم العقيدة الإسلامية.
يحكيأستاذ عبد الرحمن عن جهودهم الأكاديمية والشخصية لإبقاء فن النحت على قيد الحياة بالرغم من عداءات الأنظمة الحاكمة آنذاك لفنون النحت والتي لا تعكس بالضرورة رؤى وآراء الشعب، مسترجِعاً ذكرى إحدى الجداريات التي عكفوا عليها والتي لفَتَتْ انتباه الشارع العام بشكل إيجابي، حيث توقفت السيارات وقاد الفضول الركاب للنزول ومشاهدة تثبيت جدارية "بزيانوس" بقرب صينية الأزهري بأم درمان، ويستدل عبد الرحمن بهذه الحادثة عن تلَهُّف الجمهور وتطلُّعِه للفن وتواجده في الساحة العامة بكل صُوَرِه سواء كانت نحتيّة أم تشكيلية، هذا التطلع والتلَهُّف الذي لم تنجح المؤسسات ورقابتها في إخماده.
هذه الرقابة شبه المطلقة للأفراد والمؤسَّسَات والكليات الفنية لا تعني نجاح الأنظمة بفرض أيدولوجياتها على الفنان، بل يرجِّح أيضاً أ.عبد الرحمن دور المعاداة الحكومية في صقل إيمان طلاب الكلية بقضيتهم وإصرارهم على الإنتاج الفني رغم تدهور الإمكانات الأكاديمية وضغط الرقابة وتيارات الفكر المضادة لأُسُسِهِم الفنية.

ذوبان الثلج والفن المغاير
من الجليّ أن فنون الرسم والتلوين هما الأحبّ لذائقة الجمهور السوداني، وإن ظلَّت لوحات الفن التشكيلي تغمر ساحة الفن المحلي كالوسيلة الفنية الأكثر شيوعاً، يحتلّ عامل جمالية العمل البصرية الأولوية للكثير من حيث الماهية والاستحقاقية لاعتبار العمل الفني في حد ذاته. وعلى الرغم من ذلك، يحفل تاريخ الفنون السودانية بالسُبُل المغايرة التي ابتكرها بعض الفنانين واستخدموها كوسيلة للتعبير والتعبئة والرفض.
تُعَد تجربة الفنان محمد شداد هي الأمثل للتحليل فيما يتعلّق بتفاعل واستنكار الجمهور والمحيط الفني للأعمال والمفاهيم الغير التقليدية. "معرض الثلج" عبارة ثبَتَتْ في ذاكرة المهتمِّين بالفن في السودان كعلامة للفن التركيبي المبكّر الذي اعتمده الفنان محمد شداد في منتصف السبعينيات مستعرِضاً قِطَع من الثلج مُحاطة بأكياس بلاستيكية ملأى بالمياه الملوّنة. ومثل هذا العمل الفني استكشاف مادِّي لسياقات المدرسة الكريستالية الفكرية ومفاهيمها كالشفافية والازدواجية.[1] ويمكن اعتبار هذا المعرض من ضمن الأحداث المضادة للأنظمة والمؤسسات بأنواعها، وهو عكس ما كانت تنظِّمُه الساحة الفنية آنذاك من معارض فنية مكرَّسة للمنظمات الدبلوماسية.
"معرض الثلج" يمثِّل، في مسار محمد شداد الفني، تتويجاً لسلسلة من الحركات الجمالية التي ابتدرها محمد شداد وهو طالب في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية. مبادرات محمد شداد التي يجمعها سعي منهجي متصل، فحواه النقد السياسي والأخلاقي من خلال الحركة الجمالية. فعندما كان طالباً في سنته الأولى بكلية الفنون بالخرطوم، أقام معرضه الشخصي الأول "معرض الإنسان الجالس" ومنذ الساعة الأولى تزاحَمَ الطلاب والأساتذة والعاملين بالمعهد وتجمهر طلاب من الأقسام الهندسية والتجارية داخل الصالة وعلى النوافذ لمشاهدة هذا الحدث العجيب. في استديو عُرِف باستديو ”تاريخ“ بالكلية، و فيعمق الاستديو كانت هناك منصة عليها كرسي، أجلس عليه محمد شداد "جيمس"،موديل قسم الرسم آنذاك عاري الصدر، وفوق رأسه بعدة سنتيمترات تدلت قطعة لحم كبيرة،كما كانت هناك أرغفة طازجة معروضة في الصالة. على حيطان الصالة عُلِّقَت لوحات زيتية و مائيات و رسومات بالقلم لمحمد شداد، وعلى الأرض ثلاثة أو أربعة لوحات زيتية صغيرة استعارها محمد شداد من بعض الطلاب منهم لوحات لدار السلام عبدالرحيم. بالقُرب من اللوحات كانت هناك بطاقة مكتوب عليها بخط واضح "ثمن اللوحة خمسة قُبلات". طبعاً لم يجرؤ أحد على دفع الثمن الفادح لشراء المعروضات، لكن بؤرة الاستفزاز تركَّزَت على حديث محمد شداد الذي انطلق يخطب في الجمع مبشِّراً بـ"تحرير الغرائز" كخطوة ضرورية لتحرير الإنسان، و خلاص الإنسانية إنما يكون في التخلُّص من كل عقابيل الكبت المتوارثة عبر القرون بفعل الأيديولوجيات والنصوص المقدَّسة والتقاليد البالية التي تغرِّب الإنسان عن جوهره"ككائن مجبول على الهروب من الألم نحو اللذة[2]".
استفزَّ هذا الحدث مجتمع الكلية الصغير حتى أنّ جماعة من الطلاب عقدوا محكمة رمزية لمحاكمة محمد شداد فأدانوه لنشوزه وحكموا عليه بعقوبة رمزية مقدارهاعشرة جلدات.[3]


ومن الأمثلة الأخرى التي انتفضت على تعريفات ومسمّيات الفن السوداني هو بيان المدرسة الكريستالية، فكما كانت بداية المدرسة الخرطومية[1] هي نتاجاً لغياب اللوحة التشكيلية، أشعلت شرارة المدرسة الكريستالية لوحة كبيرة بطول ٣ أمتار ونصف، رسَمَتْها الفنانة كمالا إسحق، تُصوِّر ١٥ كرة كريستالية، فيها تدرُّجات لونيّة، بعنوان "ندوة في مكعبات زجاجية" تمثِّل ما يشبه علاقة الحياة بين الإنسان والنبات.
"إنَّ الحقيقة نسبية وإطلاق الطبيعة رهين بالإنسان كأطروحة محدودة والصراع بين الإنسان والطبيعة يسير دائماً لإيجاد الصِّيَغ والمقولات التى تجعل العكس أي الإنسان المطلق تجاه المؤسسات والصيغ الطبيعية المحدودة والتي هي من صنع الإنسان نفسه.فإذا كانت الجدلية فى الفكر الكلاسيكي الحديث يُعبَّر عنها بـ( ليست هنالك ظاهرة معزولة )، ( وأن معرفة الإنسان بالمادة هى معرفته بأشكال حركة المادة ) .. فإننا وفق فكرة الكريستالة لا نتوانى ونقول أنَّ الجدلية بديل عن الطبيعة نفسها"[2]
نُشِر البيان الكريستالي في الواحد والعشرين من يناير عام ١٩٧٦، مؤجِّجاً النقاشات بِلُغَته الفلسفية والنقدية فيما يخص أخذ التراث بعين الاعتبار الذي يتعلق بالفنون.[3] فأتى بمحاولة للتمييز عن مسار مدرسة الخرطوم كما يصفه د.صلاح محمد حسن، الذي يشير إلى أن جُلّ اهتمام الكريستاليين يركِّز في العمل على وضع فكرتيْ "التحوُّل" و"الصيرورة" في مقدمة اهتمام الفن التشكيلي كقوى جوهرية بدلاً عن سيادة "السودانوية" التي تركِّز على أيديولوجيا "العودة إلى الأصل"، والتي تفرَّدَت بها مدرسة الخرطوم على مستوى الأسلوب والجماليات.

انتقالاً من العام ١٩٧٦ إلى العام ٢٠١٩، حيث أدى اعتصام المتظاهرين السِلمِيِّين المطالِبين بالعدالة في ساحة القيادة العامة بالخرطوم إلى أكبر أُطروحة فنية شَهِدَها الشعب السوداني منذ عقود.
التقط العديد من الفنانين أدواتهم متّجهين إلى ساحة القيادة كمركزهم الفني الجديد، واكتظّت المساحة ذات العشرة كيلومترات مربعة بمعارض تاريخية وثقافية وأعمال فنية مختلفة، كَسَرَت الساحة الحواجز التي عرقلت أو حالت بين الفنان والجمهور وبين نظرية الفن وممارسته، واستبدلتها بمباشرة العملية الفنية دون الاعتماد على طُرُق العرض التقليدية والشائعة، ممثِّلةً بذلك معْبَراً مهماً ومُرَحِّباً تَصُب فيه جميع أنواع الفنون التعبيرية والمفاهيمية.
تشكَّلَت ساحة القيادة من أكثر المجموعات تنوُّعاً من أعراق المجتمع السوداني، لذا كان هنالك تنوُّع فني. وقد تجلّى هذا التنوُّع على أنواع الفنون الجميلة والاستعراضية والتنصيبية. فانعكس كسر القيود التعبيرية على التدفُّق الإبداعي، وعلى تقبُّل وانفتاح الجمهور على جميع أنواع الأعمال المعروضة.
أدَّى ذلك الحدث إلى تحوُّل مساحي كبير في الساحة الفنية السودانية، وظهور الشكل الجديد لساحة القيادة كمعمل فني مكون من شتى آراء ورؤى الشعب. فانتعشت بذلك الجدارية السودانية واحتوت على شعارات ومطالب سياسية عن مفهوم الأعمال الفنية، أمثَلُها جدارية المطالبة بالقصاص لأفراد النظام السابق التي تتضمن قائمة بأسمائهم وجدارية الفنانة آلاء ساتر المتمحوِرة حول دور النساء في قيادة الثورة وأهمية تمركزهم لإبقاء شعلة المقاومة متّقِدة.
تتجلّى قوة وتأثير الفنون التي احتضَنَتْها ساحة القيادة في انصهارها داخل ذاكرة المواطن السوداني وعقله الباطن، مفسِحةً المجال لتكوُّن فضاءٍ فنيٍ جديد في الذاكرة الجماعية. ورغم قيام المليشيات العسكرية بإتلاف الأعمال الفنية ومسح معظم الجداريات، إلا أن قدرة التوثيق البصري ومحاوطة الأعمال الفنية لمنطقة الاعتصام تفوق قدرة الحكومات على طمس الحركة الفنية الثورية ومحوها من العقل الباطن وذاكرة الشعوب.

ديمومة المساحة الفنية وأثرها التراكمي
يظلّ الهدف المنشود هو نقل روح ساحة اعتصام القيادة وجوهرها إلى مساحات فنية شاملة لجميع أطياف المجتمع وتعزم على إتاحة جميع المصادر الثقافية والمعرفية للعامة، بهدف هدم العوائق السياسية والمجتمعية الماثلة بين الفرد والمجتمع، ومحاربة النظم النخبوية لإنتاج واستعراض الفنون.
ولكن تظل أغلب التحديات التي تواجه إنشاء متحف أو صرح جديد هي الموارد المطلوبة لوجود صرح ثقافي شامل، إن كانت مادية كتكاليف الإنشاء والمحافظة على البنيان ودفع النفقات الوظيفية، أم كانت موارد معرفية كالممارسة النظرية وتحليل وتفكيك ماهية وتاريخ الفن والأعمال الفنية الموجودة، وتقييم المعارض وإقامة البرامج الفنية العامة التي تشمل مواضيعها مختَلَف محاور التاريخ الفني والثقافي واهتمامات الزائر السوداني.
يجدر بالذكر هنا أن تاريخ المعارض والمساحة الفنية في السودان يزخر بالكثير من المساحات المستقلّة والمعارض التجارية التي تحتضن أعمال مفاهيمية متعددة. ورغم ذلك، يظل غياب الصرح الفني الدائم على أرض الواقع مشكِّلاً معضلة بصرية وثقافية للمُشاهد السوداني الذي ظل يسمع عن أخبار نيْل عدد من الفنانين الجوائز من دون إتاحة الفرصة للاطِّلاع على أعمالهم. مما جعل هذا الأمر من العالم الافتراضي ساحة للعرض والبحث، و تمكَّن العديد بمجهودات فردية مشاركة معلوماتهم ومصادرهم الثقافية، ولكن تظلّ الحاجة الملحَّة إلى وجود متحف فنِّي يشمل الأعمال المختلفة التي ساهمت في تشكيل الحركة الفنية السودانية، من الحرص على تبيين العوامل السياسية والاقتصادية والعرقية التي أثّرت على مسيرة الفن، وإظهار الفنون التي انعكس تأثيرها على تلك العوامل.
ومن الضروري الاطّلاع على تجارب الدول الأفريقية المجاورة،فقد مرّت بعضها بعوامل مختلفة والتي أضحت عائقاً بينها وبين الجمهور، فتكرر مشهد عدد الزيارات القليلة بالرغم من محاولات المتاحف بإشراك الجمهور المحلي من خلال برامج عامة أو معارض فنية عديدة، إلا أنها لم تفلح في جذب الجمهور المحلي،والذي يشير إلى أن المتحف يُنظَر إليه باعتباره ظاهرة نُخبوية.[1] مما يقودنا إلى التساؤل عن ماهية وكيفية عملية انتقاء الفنانين والمسؤولين وعملية اختيار الأعمال الفنية بشكل يتيح للكل التواصل والتجاوب معها.
تظل من أهم المسائل الأساسية الشائكة والأكثر تعقيداً هي ماهية تحديد أو تعريف الفن (الحديث) في سياق سوداني محلي، ومن يحدِّد ويعرِّف هذا الإطار. وكيف لهذا الصرح أن ينجو من تاريخ المتاحف الاستعماري والبصمة الغربية التي طغت على مفهوم التقييم والاستعراض الفني.
ومن الجوانب الأخرى التي تعنى بالذاكرة الفنية الجماعية، هو تغلغل الفنون وممارساتها في مختَلَف السياقات الفعلية والفكرية لتكون جزءاً لا يتجزأ من التجربة الحياتية اليومية. تنوعت وتوسعت عملية الاطّلاع والتفاعل مع الأعمال الفنية، وتجاوزت مساحة المعرض التقليدية لتشمل جميع المساحات العامة. كل هذا سمح لإتاحة الفن لجميع أطياف الشعب، مما سيؤثر بدوره على مساحة الفن الذهنية في ذاكرة الجماعة. تُعَدّ المساهمة الجماعية المستمرّة على نحو دائم من الخطوات الأساسية المساهِمة في إثراء وتطوُّر المساحة الثقافية الحالية،داعمةً لتفاعل المجتمع مع الفنانين والمهتمين بالفنون وممكِّنة للتحصُّل على السُبُل المعرفية الثقافية، وسينعكس أثر تراكمية هذه المجهودات إيجاباً على الجوانب المفاهيمية والمادية للفن السوداني.
تُعتَبَر فكرة إنشاء متحف دائم للفنون معقَّدة بعض الشئ لما تحتويه من أصداء استعمارية، ولكن تظل الغاية هي ديمومة المساحة، بغضّ النظر عن الشكل والمسمى التي تتخذه. ظلت الغاية هي نفسها، وهي توفُّر جميع الأعمال الفنية بمختَلَف مفرداتها وتجلياتها، للعامة. مشكِّلةً بذلك منْفَذَاً لما سيحيكه المستقبل من فن، والحيوات المنبثقة من جراء هذا الفعل الضروري.
اللوحات المذكورة في الحلقة









تصميم البوستر: عزة محمد
لغات غير مكتوبة
نتواصل بطرق مختلفة واللغات المنطوقة هي أكثر ما نعرفه، ولكن إذا فكرت في الأمر، فإن إرسال رسالة ينطوي على أكثر من ذلك بكثير.

الدور الثقافي والحواري للطبق

الدور الثقافي والحواري للطبق
الطبق هو غطاء تقليديّ للطعام مَنسوج من جريد النخل والأعشاب الطويلة، وهو أداة مُتجذِّرة بعمق في الثقافة السودانية، خاصة في منطقة دارفور. تتم صناعة ونسج الطبق بشكل أساسي بواسطة النساء، وهو ليس مجرد أداة عملية للاستعمال المنزلي فحسب بل يُمثِّل رمزاً ثقافياً، وهو أيضاً وسيلة فريدة للتواصل. تتم صناعة هذا النوع الفريد من السِلال باستخدام موادٍّ محلية مثل أوراق النخيل والأعشاب، التي يتم صبغها ونَسجُها في أنماط مُعقَّدة وحيوية.
على الرغم من استخدامه لتغطية الطعام، فإن للطبق أهمية اجتماعية وثقافية أوسع، حيث كان يستخدم تاريخياً للتواصل مع القادة المحليين، بما في ذلك شخصيات مثل السلطان علي دينار من دارفور.
كان السلطان علي دينار، آخر حاكم مستقل لمملكة دارفور، يحكم في أوائل القرن العشرين حتى وفاته في عام ١٩١٦. كان علي دينار يحظى باحترام عميق من شعبه، وكحاكم كان يعتمد على الممارسات الثقافية والرمزية للمنطقة لفهم مشاعر واحتياجات رعاياه. كانت التصاميم المُعقَّدة المنسوجة في الطبق تُستخدم كوسيلة تواصل غير مباشرة وسَلِسَة. إذ كان الحرفيون يخلقون أنماطًا وألوانًا محدَّدة في الطبق لنقل رسائل مثل الاحترام، الولاء، أو الطلبات للسلطان. على سبيل المثال، قد ترمز أشكال هندسية معينة إلى الولاء لعلي دينار، بينما قد تشير ترتيبات الألوان الخاصة إلى طلبات للحماية أو المباركات لأمرٍٍ ما.
كانت هذه الطريقة في التواصل غير المباشر من خلال الحرف مهمّة بشكل خاص في مجتمع كان الوصول المباشر إلى القادة فيه محدودًا. بالنسبة لشعب دارفور، أصبح الطبق وسيلة تفاعل محترمة ولكن غير مباشرة مع السلطان. لعبت النساء، اللواتي كنَّ يقمن بنسج الطبق دورًا أساسيًا في الحفاظ على هذه التقاليد. من خلال تضمين الأنماط الرمزية في أعمالهنّ، ساهمت هؤلاء النساء في الحوارات المجتمعية والسياسية، حيث نقلن مشاعر المجتمع الجماعية دون الحاجة إلى التعبير اللفظيّ. بهذه الطريقة، لم يكن الطبق مجرد أداة منزلية، بل كان قطعة من التراث الثقافي التي تربط الناس بحاكمهم.
إن الحِرَفِيَّة المتضمنة في صنع الطبق تعكس خبرة النساء السودانيات في الحِرَف اليدوية، ودورهنَّ الأساسي في الحفاظ على المعرفة الثقافية ونقلها؛ إذ يتم نقل فن صناعة الطبق عبر الأجيال، مع إضافة كل فنانة وصانعة للطبق تفسيرها الخاص للأنماط. بعض الأشكال الهندسية والزخارف تُعتَبر مُعترفٌ بها عبر السودان، وقد تحمل معانٍ معينة. على سبيل المثال، يرمز نمط الشكل الماسي إلى الحماية، بينما تمثل التصاميم المتعرجة استمرارية الحياة. هذه الأنماط تعمل كلغة "منسوجة" تتحدث عن القيم الثقافية والاجتماعية والروحية للمجتمع.
على الرغم من أن الحداثة والتطور قد جلبتا تغييرات في الحياة اليومية في السودان، إلا أن الطبق لا يزال يحظى بتقدير، سواءً لاستخدامه الوظيفي في المنزل أو كرمز للتراث السوداني. فهو كقطعة من الفن والتقاليد، لا يزال يمثل براعة ومرونة الحرفيين السودانيين، الذين يمثل عملهم شهادة على التاريخ الاجتماعي وهوية مناطق السودان. ونرى إن ارتباطه بالسلطان علي دينار يضيف طبقة تاريخية هامة، مما يُبرز دور الطبق كأداة عملية وأداة تواصل في سياق المجتمع السوداني.
صورة الغلاف: سوق ابو جهل في مدينة الأبيض بمنطقة كردفان وهو سوق تقليدي قديم تباع فيه كل انواع الفواكه و البقوليات و الأعمال اليدوية بأشكالها المختلفة © عصام أحمد عبد الحفيظ
الطبق هو غطاء تقليديّ للطعام مَنسوج من جريد النخل والأعشاب الطويلة، وهو أداة مُتجذِّرة بعمق في الثقافة السودانية، خاصة في منطقة دارفور. تتم صناعة ونسج الطبق بشكل أساسي بواسطة النساء، وهو ليس مجرد أداة عملية للاستعمال المنزلي فحسب بل يُمثِّل رمزاً ثقافياً، وهو أيضاً وسيلة فريدة للتواصل. تتم صناعة هذا النوع الفريد من السِلال باستخدام موادٍّ محلية مثل أوراق النخيل والأعشاب، التي يتم صبغها ونَسجُها في أنماط مُعقَّدة وحيوية.
على الرغم من استخدامه لتغطية الطعام، فإن للطبق أهمية اجتماعية وثقافية أوسع، حيث كان يستخدم تاريخياً للتواصل مع القادة المحليين، بما في ذلك شخصيات مثل السلطان علي دينار من دارفور.
كان السلطان علي دينار، آخر حاكم مستقل لمملكة دارفور، يحكم في أوائل القرن العشرين حتى وفاته في عام ١٩١٦. كان علي دينار يحظى باحترام عميق من شعبه، وكحاكم كان يعتمد على الممارسات الثقافية والرمزية للمنطقة لفهم مشاعر واحتياجات رعاياه. كانت التصاميم المُعقَّدة المنسوجة في الطبق تُستخدم كوسيلة تواصل غير مباشرة وسَلِسَة. إذ كان الحرفيون يخلقون أنماطًا وألوانًا محدَّدة في الطبق لنقل رسائل مثل الاحترام، الولاء، أو الطلبات للسلطان. على سبيل المثال، قد ترمز أشكال هندسية معينة إلى الولاء لعلي دينار، بينما قد تشير ترتيبات الألوان الخاصة إلى طلبات للحماية أو المباركات لأمرٍٍ ما.
كانت هذه الطريقة في التواصل غير المباشر من خلال الحرف مهمّة بشكل خاص في مجتمع كان الوصول المباشر إلى القادة فيه محدودًا. بالنسبة لشعب دارفور، أصبح الطبق وسيلة تفاعل محترمة ولكن غير مباشرة مع السلطان. لعبت النساء، اللواتي كنَّ يقمن بنسج الطبق دورًا أساسيًا في الحفاظ على هذه التقاليد. من خلال تضمين الأنماط الرمزية في أعمالهنّ، ساهمت هؤلاء النساء في الحوارات المجتمعية والسياسية، حيث نقلن مشاعر المجتمع الجماعية دون الحاجة إلى التعبير اللفظيّ. بهذه الطريقة، لم يكن الطبق مجرد أداة منزلية، بل كان قطعة من التراث الثقافي التي تربط الناس بحاكمهم.
إن الحِرَفِيَّة المتضمنة في صنع الطبق تعكس خبرة النساء السودانيات في الحِرَف اليدوية، ودورهنَّ الأساسي في الحفاظ على المعرفة الثقافية ونقلها؛ إذ يتم نقل فن صناعة الطبق عبر الأجيال، مع إضافة كل فنانة وصانعة للطبق تفسيرها الخاص للأنماط. بعض الأشكال الهندسية والزخارف تُعتَبر مُعترفٌ بها عبر السودان، وقد تحمل معانٍ معينة. على سبيل المثال، يرمز نمط الشكل الماسي إلى الحماية، بينما تمثل التصاميم المتعرجة استمرارية الحياة. هذه الأنماط تعمل كلغة "منسوجة" تتحدث عن القيم الثقافية والاجتماعية والروحية للمجتمع.
على الرغم من أن الحداثة والتطور قد جلبتا تغييرات في الحياة اليومية في السودان، إلا أن الطبق لا يزال يحظى بتقدير، سواءً لاستخدامه الوظيفي في المنزل أو كرمز للتراث السوداني. فهو كقطعة من الفن والتقاليد، لا يزال يمثل براعة ومرونة الحرفيين السودانيين، الذين يمثل عملهم شهادة على التاريخ الاجتماعي وهوية مناطق السودان. ونرى إن ارتباطه بالسلطان علي دينار يضيف طبقة تاريخية هامة، مما يُبرز دور الطبق كأداة عملية وأداة تواصل في سياق المجتمع السوداني.
صورة الغلاف: سوق ابو جهل في مدينة الأبيض بمنطقة كردفان وهو سوق تقليدي قديم تباع فيه كل انواع الفواكه و البقوليات و الأعمال اليدوية بأشكالها المختلفة © عصام أحمد عبد الحفيظ

الطبق هو غطاء تقليديّ للطعام مَنسوج من جريد النخل والأعشاب الطويلة، وهو أداة مُتجذِّرة بعمق في الثقافة السودانية، خاصة في منطقة دارفور. تتم صناعة ونسج الطبق بشكل أساسي بواسطة النساء، وهو ليس مجرد أداة عملية للاستعمال المنزلي فحسب بل يُمثِّل رمزاً ثقافياً، وهو أيضاً وسيلة فريدة للتواصل. تتم صناعة هذا النوع الفريد من السِلال باستخدام موادٍّ محلية مثل أوراق النخيل والأعشاب، التي يتم صبغها ونَسجُها في أنماط مُعقَّدة وحيوية.
على الرغم من استخدامه لتغطية الطعام، فإن للطبق أهمية اجتماعية وثقافية أوسع، حيث كان يستخدم تاريخياً للتواصل مع القادة المحليين، بما في ذلك شخصيات مثل السلطان علي دينار من دارفور.
كان السلطان علي دينار، آخر حاكم مستقل لمملكة دارفور، يحكم في أوائل القرن العشرين حتى وفاته في عام ١٩١٦. كان علي دينار يحظى باحترام عميق من شعبه، وكحاكم كان يعتمد على الممارسات الثقافية والرمزية للمنطقة لفهم مشاعر واحتياجات رعاياه. كانت التصاميم المُعقَّدة المنسوجة في الطبق تُستخدم كوسيلة تواصل غير مباشرة وسَلِسَة. إذ كان الحرفيون يخلقون أنماطًا وألوانًا محدَّدة في الطبق لنقل رسائل مثل الاحترام، الولاء، أو الطلبات للسلطان. على سبيل المثال، قد ترمز أشكال هندسية معينة إلى الولاء لعلي دينار، بينما قد تشير ترتيبات الألوان الخاصة إلى طلبات للحماية أو المباركات لأمرٍٍ ما.
كانت هذه الطريقة في التواصل غير المباشر من خلال الحرف مهمّة بشكل خاص في مجتمع كان الوصول المباشر إلى القادة فيه محدودًا. بالنسبة لشعب دارفور، أصبح الطبق وسيلة تفاعل محترمة ولكن غير مباشرة مع السلطان. لعبت النساء، اللواتي كنَّ يقمن بنسج الطبق دورًا أساسيًا في الحفاظ على هذه التقاليد. من خلال تضمين الأنماط الرمزية في أعمالهنّ، ساهمت هؤلاء النساء في الحوارات المجتمعية والسياسية، حيث نقلن مشاعر المجتمع الجماعية دون الحاجة إلى التعبير اللفظيّ. بهذه الطريقة، لم يكن الطبق مجرد أداة منزلية، بل كان قطعة من التراث الثقافي التي تربط الناس بحاكمهم.
إن الحِرَفِيَّة المتضمنة في صنع الطبق تعكس خبرة النساء السودانيات في الحِرَف اليدوية، ودورهنَّ الأساسي في الحفاظ على المعرفة الثقافية ونقلها؛ إذ يتم نقل فن صناعة الطبق عبر الأجيال، مع إضافة كل فنانة وصانعة للطبق تفسيرها الخاص للأنماط. بعض الأشكال الهندسية والزخارف تُعتَبر مُعترفٌ بها عبر السودان، وقد تحمل معانٍ معينة. على سبيل المثال، يرمز نمط الشكل الماسي إلى الحماية، بينما تمثل التصاميم المتعرجة استمرارية الحياة. هذه الأنماط تعمل كلغة "منسوجة" تتحدث عن القيم الثقافية والاجتماعية والروحية للمجتمع.
على الرغم من أن الحداثة والتطور قد جلبتا تغييرات في الحياة اليومية في السودان، إلا أن الطبق لا يزال يحظى بتقدير، سواءً لاستخدامه الوظيفي في المنزل أو كرمز للتراث السوداني. فهو كقطعة من الفن والتقاليد، لا يزال يمثل براعة ومرونة الحرفيين السودانيين، الذين يمثل عملهم شهادة على التاريخ الاجتماعي وهوية مناطق السودان. ونرى إن ارتباطه بالسلطان علي دينار يضيف طبقة تاريخية هامة، مما يُبرز دور الطبق كأداة عملية وأداة تواصل في سياق المجتمع السوداني.
صورة الغلاف: سوق ابو جهل في مدينة الأبيض بمنطقة كردفان وهو سوق تقليدي قديم تباع فيه كل انواع الفواكه و البقوليات و الأعمال اليدوية بأشكالها المختلفة © عصام أحمد عبد الحفيظ

السينما السودانيَّة: رسائل وموضوعات

السينما السودانيَّة: رسائل وموضوعات
انطلقت بواكير السينما في السودان مضطلعة بوظيفة اتصاليَّة مباشرة مرتبطة بمكتب السكرتير الإداري لحكومة السودان. فقد استجلب عربة سينما متجولة من دولة كينيا عام ١٩٤٦م بغرض عرض الأفلام الدعائيَّة ذات الصلة المباشرة بالخطاب الحكومي أولاً، ثمَّ تطوَّرت وظيفتها قليلاً وأنتجت الأفلام التعليمية والإخبارية بعد ذلك، وقامت بعرض هذه الأفلام في المجتمعات المحلية مع الشرح والتعليق من المختصّين في الصحة والإرشاد الزراعي والتعليم، من خلال التجوال الميداني في قرى وحواضر المديريات السودانيَّة المختلفة دعماً لبرنامج تعليم الكبار وغيرها من البرامج الحكوميَّة.
آتت هذه التجربة ثمارها في خلق قاعدة اتصال مباشر تمَّ بعدها استجلاب عدد تسع عربات أخرى وإعدادها للعرض السينمائي المتجوِّل، وتمَّ بعد ذلك تعيين مشغِّلين ومعلقين لهذه العربات التي كانت تجوب ربوع البلاد على مدار السنة، مقدِّمة شرائط فيديو وثائقيَّة قصيرة سودانية. وفي العام ١٩٤٩م تمَّ إنشاء أول وحدة أفلام سينمائية سودانية ضمن مكتب الاستعلامات والعمل اضطلعت بمهمة إنتاج أفلام وثائقية وإعلامية لبعض أهم أحداث الحياة والمشروعات في السودان آنذاك.
إذا أعدنا النظر كرَّة في طبيعة الأفلام التي أُنتجت مع بداية الخمسينيات ضمن وظيفة اتصاليَّة تبحث عن طبيعة الرسائل الجادة غير الحكومية وغير المعدَّة لأغراض مباشرة؛ مثل وظائف الإرشاد والتعليم وغيرها، سنجد أنها ليس من بينها سوى فيلمين أو ثلاثة تنطوي على محاولات جادة بَعَثَت برسائل مهمة وتناولت مشاكل اجتماعيَّة أو سياسيَّة، حيث جرى التركيز على السينما التسجيلية دون الروائية أوَّلاً، وبَرَزت من بين تلك المحاولات التسجيلية الجادة في السينما السودانية بعض الأفلام القليلة كفيلم (الطفولة المشرّدة) الذي أخرجه "كمال محمد إبراهيم"، وتناول مشكلة الأطفال المشردين الذين ينزحون من الريف إلى المدينة، ويجدون أنفسهم غير قادرين على الانسجام مع إيقاع حياتها السريع ومتطلبات العمل المختلفة، فيقعون ضحية انحرافات السرقة وغيرها. أُنتِج هذا الفيلم بعد الاستقلال بين عامي ١٩٥٦م-١٩٥٧م، وأخرج بعده في ذات الاتجاه فيلم (المنكوب)، الذي صوَّره المخرج والمصوِّر السينمائي السوداني وقتها جاد الله جبارة مخرج فيلم (تور الجر في العيادة) بعدها.
خلال تلك الفترة، كانت أكثر الأفلام التسجيلية مركِّزة على النشاط الحكومي الرسمي وإنجازاته، دون أن تحمل أية معالجة سينمائية فنية متميزة تُمكِّنها من صناعة وتطوير رسائل فنيَّة/ اجتماعيَّة غير ذات طابع سياسي مباشر، لكنها في ذات الوقت تضمَّنت رسائل أخرى متصلة بالتعريف بمناطق السودان محاولة إبراز وجهه السياحي وموثِّقة لبعض أهم الأحداث السياسيَّة فجاءت أفلام من مثل (أحداث الجلاء واستقلال السودان)، (تهجير أهالي وادي حلفا)، (زيارة جبل مرَّة)، (مشروع الجزيرة)، (زيارة الرئيس عبود إلى الصين)، (رحلة الباخرة من كوستي إلى جوبا)، و(مؤتمر الملوك والرؤساء العرب) (اللاءات الثلاث).
أنتجت هذه الوحدة ما يقدَّر بأربعين ألف فيلم حسب شهادات بعض العاملين بها، وكانت تصدر فيلماً إخبارياً أُسبوعياً يوزع على دور السينما التجارية ليُعرض في الاستراحة.
في مكان آخر خارج مدينة الخرطوم، كان هنالك مصوِّر فوتوغرافي بارع نشأ في كنف مدينة عماليَّة تضجُّ بأصوات القطارات على شاطئ نهر عطبرة، درس النجارة بمدرسة الصنائع بأمدرمان، والتحق بورش سكك حديد السودان عام ١٩٤٩م، وسرعان ما ثار على نفسه واتجه نحو فن التصوير الفوتوغرافي. اقتنى كاميرا ماركة "آلمونيت" مبتاعاً إياها من مصوِّر إغريقي، وراح يلتقط بها بعض الصور لمعالم المدينة القديمة. أنشأ أوَّل أستديو تصوير فوتوغرافي بداية الخمسينيات، وبدأ في استجلاب الورق والأفلام لإقامة معمله الخاص، راسل شركة "كوداك" في لندن وزار فرعها في مصر عام ١٩٥٧م، وأقام معارض للتصوير وأسهم في صناعة أوَّل فيلم روائي سوداني طويل هو فيلم "آمال وأحلام" ١٩٧٠م من إخراج إبراهيم ملاسي، مُدشِّناً بذلك عهداً جديداً للسينما السودانيَّة التي ستشهد ميلاد جيل ثان برع في إخراج الأفلام السودانيَّة ذات الرسائل المهمة بعد أن تلقى دراسته في معاهد وكليَّات السينما المختلفة حول العالم؛ ابتداءً من ألمانيا، قبرص، مصر، الولايات المتحدة الأمريكيَّة وموسكو، وتنوعت أفلام هذا الجيل ما بين روائية وتسجيلية، وتتناول مواضيع ورسائل أقرب إلى حياة المواطن السوداني وهمومه ومشاكله اليوميَّة والتاريخيَّة، وبرز اهتمام آخر بإبراز التنوع الثقافي للسودان وتوثيق بعض العادات الثقافيَّة النادرة والقصص التراثية مثلما فعل "حسين شريف" ذلك في فيلم (جدع النار) ١٩٧٣م، أو فيلم الشاعر والمخرج علي عبد القوم عن طقس نسائي شهير هو طقس (الظار) ١٩٨٨م، أو فيلم (تاجوج) لجاد الله جبارة ١٩٨٠م.
جاء موضُوعُ فيلم جدع النَّار معرِّفاً بقبائل منطقة جنوب النيل الأزرق السُّودانيَّة. عَبَدت تلك القبائل النَّار والشَّمس في أزمان بعيدة. ولها طقوس متميزة أوان احتفالات الحصاد تتضمَّن الرَّقص والمهرجانات وطقوس أخرى عديدة تُمارس ضمن عادة أكبر تعرف بعادة "جدع النار" التي لا زالت تمارس عند كل خريف حتى يوم الناس هذا. شارك حسين شريف أيضاً مع عطيَّات الأبنودي في إخراج فيلم (يوميَّات في المنفى) الذي أنتجته في العام ١٩٩٣م المنظمة السُّودانيَّة لحقوق الإنسان، مُوثِّقةً لحكايات نزوح أفرادٍ ومجموعاتٍ من النَّاسِ يقدِّمُون شهاداتهم التاريخيَّة الخاصَّة بالفترة التي تَلت حدوثَ انقلاب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان عام ١٩٨٩م. حيث شهدت تلك الفترة هجرة كثيفة من السُّودانيِّين والسُّودانيَّات إلى مُختلفِ أرجاء العالم، فالسُّودان غَدا آناءِها مكانَاً طاردَاً لأهلِهِ وشَعْبِهِ كما هو الآن حاله أثناء حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣. وقد هاجرت الغالبيَّة العظمى من السُّودانيين والسُّودانيَّات حينذاك إلى مصر التي صُوِّرَ فيها ذاكَ الفيلم وبلغ عدد النازحين هناك، في وقتِ تصوير الفيلم المعني، ما يقارب الثلاثة ملايين وقتها.
تطوَّرت الرسائل الفنيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة مع الجيل اللاحق لهذا الجيل بشكل لافت، حيث اتخذت أبعاداً فلسفيَّة وجماليَّة متطوِّرة كما ظهر هذا الأمر في تجارب إبراهيم شداد، سليمان محمد إبراهيم والطيِّب مهدي. حيث عالجت أفلام إبراهيم شداد وعلى رأسها فيلم (إنسان) ١٩٩٤م قضايا وجوديَّة وفلسفيَّة دائماً، واتجهت مع هذا الفيلم لمناقشة أزمة قوانين سبتمبر ١٩٨٣م التي شرعها نظام الديكتاتور جعفر نميري في قالب قصصي بسيط وثَّق لجرائم وانتهاكات هذه القوانين، وأثرها على حياة بسطاء الناس ممن لم ينجوا من قطع الأيدي وبعض القوانين الجائرة المرتبطة بهذه التشريعات. وعالج الطيِّب مهدي في فيلم (الضريح) ١٩٧٧م ذات المشكلة من منظور مختلف، حيث نبَّه باكراً -وفي شبه نبوءة استباقيَّة- ما آلت إليه الأوضاع مع تجربة الإسلام السياسي في السودان ومشكلة استغلال الدين لخداع المجتمع. وقام "عبادي محجوب" و"جاد الله جبارة" بإخراج فيلم (بركة الشيخ) وهو فيلم روائي طويل، يحكي قصة دجال تمكن من السيطرة على عقول البسطاء في إحدى القرى السودانية من خلال ادعائه لبعض الكرامات. موضحاً الكيفيَّة التي يمكن بها استغلال الدين وسط بيئة مفقرة من العلم والمعرفة وما يمكن أن يقود إليه ذلك من مصائب كبيرة. وناقش فيلم (المحطة) ١٩٨٩م مشكلة طريق التطوُّر الرأسمالي والتنمية التي لا تضع بالاً للإنسان في مناطق الإنتاج والوفرة الاقتصاديَّة من خلال مشاهد بصريَّة غاية في التناقض. حيث عشرات المئات من الشاحنات الممتلئة بالسلع النقديَّة للصادر في مدينة زراعيَّة مثل مدينة القضارف، وأسرة فقيرة تقف على قراعة الطريق وهي تحمل مريضاً مسجياً على ظهر حمار ينتظر وسيلة نقل توصله إلى أقرب مشفى داخل المدينة!
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي
انطلقت بواكير السينما في السودان مضطلعة بوظيفة اتصاليَّة مباشرة مرتبطة بمكتب السكرتير الإداري لحكومة السودان. فقد استجلب عربة سينما متجولة من دولة كينيا عام ١٩٤٦م بغرض عرض الأفلام الدعائيَّة ذات الصلة المباشرة بالخطاب الحكومي أولاً، ثمَّ تطوَّرت وظيفتها قليلاً وأنتجت الأفلام التعليمية والإخبارية بعد ذلك، وقامت بعرض هذه الأفلام في المجتمعات المحلية مع الشرح والتعليق من المختصّين في الصحة والإرشاد الزراعي والتعليم، من خلال التجوال الميداني في قرى وحواضر المديريات السودانيَّة المختلفة دعماً لبرنامج تعليم الكبار وغيرها من البرامج الحكوميَّة.
آتت هذه التجربة ثمارها في خلق قاعدة اتصال مباشر تمَّ بعدها استجلاب عدد تسع عربات أخرى وإعدادها للعرض السينمائي المتجوِّل، وتمَّ بعد ذلك تعيين مشغِّلين ومعلقين لهذه العربات التي كانت تجوب ربوع البلاد على مدار السنة، مقدِّمة شرائط فيديو وثائقيَّة قصيرة سودانية. وفي العام ١٩٤٩م تمَّ إنشاء أول وحدة أفلام سينمائية سودانية ضمن مكتب الاستعلامات والعمل اضطلعت بمهمة إنتاج أفلام وثائقية وإعلامية لبعض أهم أحداث الحياة والمشروعات في السودان آنذاك.
إذا أعدنا النظر كرَّة في طبيعة الأفلام التي أُنتجت مع بداية الخمسينيات ضمن وظيفة اتصاليَّة تبحث عن طبيعة الرسائل الجادة غير الحكومية وغير المعدَّة لأغراض مباشرة؛ مثل وظائف الإرشاد والتعليم وغيرها، سنجد أنها ليس من بينها سوى فيلمين أو ثلاثة تنطوي على محاولات جادة بَعَثَت برسائل مهمة وتناولت مشاكل اجتماعيَّة أو سياسيَّة، حيث جرى التركيز على السينما التسجيلية دون الروائية أوَّلاً، وبَرَزت من بين تلك المحاولات التسجيلية الجادة في السينما السودانية بعض الأفلام القليلة كفيلم (الطفولة المشرّدة) الذي أخرجه "كمال محمد إبراهيم"، وتناول مشكلة الأطفال المشردين الذين ينزحون من الريف إلى المدينة، ويجدون أنفسهم غير قادرين على الانسجام مع إيقاع حياتها السريع ومتطلبات العمل المختلفة، فيقعون ضحية انحرافات السرقة وغيرها. أُنتِج هذا الفيلم بعد الاستقلال بين عامي ١٩٥٦م-١٩٥٧م، وأخرج بعده في ذات الاتجاه فيلم (المنكوب)، الذي صوَّره المخرج والمصوِّر السينمائي السوداني وقتها جاد الله جبارة مخرج فيلم (تور الجر في العيادة) بعدها.
خلال تلك الفترة، كانت أكثر الأفلام التسجيلية مركِّزة على النشاط الحكومي الرسمي وإنجازاته، دون أن تحمل أية معالجة سينمائية فنية متميزة تُمكِّنها من صناعة وتطوير رسائل فنيَّة/ اجتماعيَّة غير ذات طابع سياسي مباشر، لكنها في ذات الوقت تضمَّنت رسائل أخرى متصلة بالتعريف بمناطق السودان محاولة إبراز وجهه السياحي وموثِّقة لبعض أهم الأحداث السياسيَّة فجاءت أفلام من مثل (أحداث الجلاء واستقلال السودان)، (تهجير أهالي وادي حلفا)، (زيارة جبل مرَّة)، (مشروع الجزيرة)، (زيارة الرئيس عبود إلى الصين)، (رحلة الباخرة من كوستي إلى جوبا)، و(مؤتمر الملوك والرؤساء العرب) (اللاءات الثلاث).
أنتجت هذه الوحدة ما يقدَّر بأربعين ألف فيلم حسب شهادات بعض العاملين بها، وكانت تصدر فيلماً إخبارياً أُسبوعياً يوزع على دور السينما التجارية ليُعرض في الاستراحة.
في مكان آخر خارج مدينة الخرطوم، كان هنالك مصوِّر فوتوغرافي بارع نشأ في كنف مدينة عماليَّة تضجُّ بأصوات القطارات على شاطئ نهر عطبرة، درس النجارة بمدرسة الصنائع بأمدرمان، والتحق بورش سكك حديد السودان عام ١٩٤٩م، وسرعان ما ثار على نفسه واتجه نحو فن التصوير الفوتوغرافي. اقتنى كاميرا ماركة "آلمونيت" مبتاعاً إياها من مصوِّر إغريقي، وراح يلتقط بها بعض الصور لمعالم المدينة القديمة. أنشأ أوَّل أستديو تصوير فوتوغرافي بداية الخمسينيات، وبدأ في استجلاب الورق والأفلام لإقامة معمله الخاص، راسل شركة "كوداك" في لندن وزار فرعها في مصر عام ١٩٥٧م، وأقام معارض للتصوير وأسهم في صناعة أوَّل فيلم روائي سوداني طويل هو فيلم "آمال وأحلام" ١٩٧٠م من إخراج إبراهيم ملاسي، مُدشِّناً بذلك عهداً جديداً للسينما السودانيَّة التي ستشهد ميلاد جيل ثان برع في إخراج الأفلام السودانيَّة ذات الرسائل المهمة بعد أن تلقى دراسته في معاهد وكليَّات السينما المختلفة حول العالم؛ ابتداءً من ألمانيا، قبرص، مصر، الولايات المتحدة الأمريكيَّة وموسكو، وتنوعت أفلام هذا الجيل ما بين روائية وتسجيلية، وتتناول مواضيع ورسائل أقرب إلى حياة المواطن السوداني وهمومه ومشاكله اليوميَّة والتاريخيَّة، وبرز اهتمام آخر بإبراز التنوع الثقافي للسودان وتوثيق بعض العادات الثقافيَّة النادرة والقصص التراثية مثلما فعل "حسين شريف" ذلك في فيلم (جدع النار) ١٩٧٣م، أو فيلم الشاعر والمخرج علي عبد القوم عن طقس نسائي شهير هو طقس (الظار) ١٩٨٨م، أو فيلم (تاجوج) لجاد الله جبارة ١٩٨٠م.
جاء موضُوعُ فيلم جدع النَّار معرِّفاً بقبائل منطقة جنوب النيل الأزرق السُّودانيَّة. عَبَدت تلك القبائل النَّار والشَّمس في أزمان بعيدة. ولها طقوس متميزة أوان احتفالات الحصاد تتضمَّن الرَّقص والمهرجانات وطقوس أخرى عديدة تُمارس ضمن عادة أكبر تعرف بعادة "جدع النار" التي لا زالت تمارس عند كل خريف حتى يوم الناس هذا. شارك حسين شريف أيضاً مع عطيَّات الأبنودي في إخراج فيلم (يوميَّات في المنفى) الذي أنتجته في العام ١٩٩٣م المنظمة السُّودانيَّة لحقوق الإنسان، مُوثِّقةً لحكايات نزوح أفرادٍ ومجموعاتٍ من النَّاسِ يقدِّمُون شهاداتهم التاريخيَّة الخاصَّة بالفترة التي تَلت حدوثَ انقلاب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان عام ١٩٨٩م. حيث شهدت تلك الفترة هجرة كثيفة من السُّودانيِّين والسُّودانيَّات إلى مُختلفِ أرجاء العالم، فالسُّودان غَدا آناءِها مكانَاً طاردَاً لأهلِهِ وشَعْبِهِ كما هو الآن حاله أثناء حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣. وقد هاجرت الغالبيَّة العظمى من السُّودانيين والسُّودانيَّات حينذاك إلى مصر التي صُوِّرَ فيها ذاكَ الفيلم وبلغ عدد النازحين هناك، في وقتِ تصوير الفيلم المعني، ما يقارب الثلاثة ملايين وقتها.
تطوَّرت الرسائل الفنيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة مع الجيل اللاحق لهذا الجيل بشكل لافت، حيث اتخذت أبعاداً فلسفيَّة وجماليَّة متطوِّرة كما ظهر هذا الأمر في تجارب إبراهيم شداد، سليمان محمد إبراهيم والطيِّب مهدي. حيث عالجت أفلام إبراهيم شداد وعلى رأسها فيلم (إنسان) ١٩٩٤م قضايا وجوديَّة وفلسفيَّة دائماً، واتجهت مع هذا الفيلم لمناقشة أزمة قوانين سبتمبر ١٩٨٣م التي شرعها نظام الديكتاتور جعفر نميري في قالب قصصي بسيط وثَّق لجرائم وانتهاكات هذه القوانين، وأثرها على حياة بسطاء الناس ممن لم ينجوا من قطع الأيدي وبعض القوانين الجائرة المرتبطة بهذه التشريعات. وعالج الطيِّب مهدي في فيلم (الضريح) ١٩٧٧م ذات المشكلة من منظور مختلف، حيث نبَّه باكراً -وفي شبه نبوءة استباقيَّة- ما آلت إليه الأوضاع مع تجربة الإسلام السياسي في السودان ومشكلة استغلال الدين لخداع المجتمع. وقام "عبادي محجوب" و"جاد الله جبارة" بإخراج فيلم (بركة الشيخ) وهو فيلم روائي طويل، يحكي قصة دجال تمكن من السيطرة على عقول البسطاء في إحدى القرى السودانية من خلال ادعائه لبعض الكرامات. موضحاً الكيفيَّة التي يمكن بها استغلال الدين وسط بيئة مفقرة من العلم والمعرفة وما يمكن أن يقود إليه ذلك من مصائب كبيرة. وناقش فيلم (المحطة) ١٩٨٩م مشكلة طريق التطوُّر الرأسمالي والتنمية التي لا تضع بالاً للإنسان في مناطق الإنتاج والوفرة الاقتصاديَّة من خلال مشاهد بصريَّة غاية في التناقض. حيث عشرات المئات من الشاحنات الممتلئة بالسلع النقديَّة للصادر في مدينة زراعيَّة مثل مدينة القضارف، وأسرة فقيرة تقف على قراعة الطريق وهي تحمل مريضاً مسجياً على ظهر حمار ينتظر وسيلة نقل توصله إلى أقرب مشفى داخل المدينة!
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

انطلقت بواكير السينما في السودان مضطلعة بوظيفة اتصاليَّة مباشرة مرتبطة بمكتب السكرتير الإداري لحكومة السودان. فقد استجلب عربة سينما متجولة من دولة كينيا عام ١٩٤٦م بغرض عرض الأفلام الدعائيَّة ذات الصلة المباشرة بالخطاب الحكومي أولاً، ثمَّ تطوَّرت وظيفتها قليلاً وأنتجت الأفلام التعليمية والإخبارية بعد ذلك، وقامت بعرض هذه الأفلام في المجتمعات المحلية مع الشرح والتعليق من المختصّين في الصحة والإرشاد الزراعي والتعليم، من خلال التجوال الميداني في قرى وحواضر المديريات السودانيَّة المختلفة دعماً لبرنامج تعليم الكبار وغيرها من البرامج الحكوميَّة.
آتت هذه التجربة ثمارها في خلق قاعدة اتصال مباشر تمَّ بعدها استجلاب عدد تسع عربات أخرى وإعدادها للعرض السينمائي المتجوِّل، وتمَّ بعد ذلك تعيين مشغِّلين ومعلقين لهذه العربات التي كانت تجوب ربوع البلاد على مدار السنة، مقدِّمة شرائط فيديو وثائقيَّة قصيرة سودانية. وفي العام ١٩٤٩م تمَّ إنشاء أول وحدة أفلام سينمائية سودانية ضمن مكتب الاستعلامات والعمل اضطلعت بمهمة إنتاج أفلام وثائقية وإعلامية لبعض أهم أحداث الحياة والمشروعات في السودان آنذاك.
إذا أعدنا النظر كرَّة في طبيعة الأفلام التي أُنتجت مع بداية الخمسينيات ضمن وظيفة اتصاليَّة تبحث عن طبيعة الرسائل الجادة غير الحكومية وغير المعدَّة لأغراض مباشرة؛ مثل وظائف الإرشاد والتعليم وغيرها، سنجد أنها ليس من بينها سوى فيلمين أو ثلاثة تنطوي على محاولات جادة بَعَثَت برسائل مهمة وتناولت مشاكل اجتماعيَّة أو سياسيَّة، حيث جرى التركيز على السينما التسجيلية دون الروائية أوَّلاً، وبَرَزت من بين تلك المحاولات التسجيلية الجادة في السينما السودانية بعض الأفلام القليلة كفيلم (الطفولة المشرّدة) الذي أخرجه "كمال محمد إبراهيم"، وتناول مشكلة الأطفال المشردين الذين ينزحون من الريف إلى المدينة، ويجدون أنفسهم غير قادرين على الانسجام مع إيقاع حياتها السريع ومتطلبات العمل المختلفة، فيقعون ضحية انحرافات السرقة وغيرها. أُنتِج هذا الفيلم بعد الاستقلال بين عامي ١٩٥٦م-١٩٥٧م، وأخرج بعده في ذات الاتجاه فيلم (المنكوب)، الذي صوَّره المخرج والمصوِّر السينمائي السوداني وقتها جاد الله جبارة مخرج فيلم (تور الجر في العيادة) بعدها.
خلال تلك الفترة، كانت أكثر الأفلام التسجيلية مركِّزة على النشاط الحكومي الرسمي وإنجازاته، دون أن تحمل أية معالجة سينمائية فنية متميزة تُمكِّنها من صناعة وتطوير رسائل فنيَّة/ اجتماعيَّة غير ذات طابع سياسي مباشر، لكنها في ذات الوقت تضمَّنت رسائل أخرى متصلة بالتعريف بمناطق السودان محاولة إبراز وجهه السياحي وموثِّقة لبعض أهم الأحداث السياسيَّة فجاءت أفلام من مثل (أحداث الجلاء واستقلال السودان)، (تهجير أهالي وادي حلفا)، (زيارة جبل مرَّة)، (مشروع الجزيرة)، (زيارة الرئيس عبود إلى الصين)، (رحلة الباخرة من كوستي إلى جوبا)، و(مؤتمر الملوك والرؤساء العرب) (اللاءات الثلاث).
أنتجت هذه الوحدة ما يقدَّر بأربعين ألف فيلم حسب شهادات بعض العاملين بها، وكانت تصدر فيلماً إخبارياً أُسبوعياً يوزع على دور السينما التجارية ليُعرض في الاستراحة.
في مكان آخر خارج مدينة الخرطوم، كان هنالك مصوِّر فوتوغرافي بارع نشأ في كنف مدينة عماليَّة تضجُّ بأصوات القطارات على شاطئ نهر عطبرة، درس النجارة بمدرسة الصنائع بأمدرمان، والتحق بورش سكك حديد السودان عام ١٩٤٩م، وسرعان ما ثار على نفسه واتجه نحو فن التصوير الفوتوغرافي. اقتنى كاميرا ماركة "آلمونيت" مبتاعاً إياها من مصوِّر إغريقي، وراح يلتقط بها بعض الصور لمعالم المدينة القديمة. أنشأ أوَّل أستديو تصوير فوتوغرافي بداية الخمسينيات، وبدأ في استجلاب الورق والأفلام لإقامة معمله الخاص، راسل شركة "كوداك" في لندن وزار فرعها في مصر عام ١٩٥٧م، وأقام معارض للتصوير وأسهم في صناعة أوَّل فيلم روائي سوداني طويل هو فيلم "آمال وأحلام" ١٩٧٠م من إخراج إبراهيم ملاسي، مُدشِّناً بذلك عهداً جديداً للسينما السودانيَّة التي ستشهد ميلاد جيل ثان برع في إخراج الأفلام السودانيَّة ذات الرسائل المهمة بعد أن تلقى دراسته في معاهد وكليَّات السينما المختلفة حول العالم؛ ابتداءً من ألمانيا، قبرص، مصر، الولايات المتحدة الأمريكيَّة وموسكو، وتنوعت أفلام هذا الجيل ما بين روائية وتسجيلية، وتتناول مواضيع ورسائل أقرب إلى حياة المواطن السوداني وهمومه ومشاكله اليوميَّة والتاريخيَّة، وبرز اهتمام آخر بإبراز التنوع الثقافي للسودان وتوثيق بعض العادات الثقافيَّة النادرة والقصص التراثية مثلما فعل "حسين شريف" ذلك في فيلم (جدع النار) ١٩٧٣م، أو فيلم الشاعر والمخرج علي عبد القوم عن طقس نسائي شهير هو طقس (الظار) ١٩٨٨م، أو فيلم (تاجوج) لجاد الله جبارة ١٩٨٠م.
جاء موضُوعُ فيلم جدع النَّار معرِّفاً بقبائل منطقة جنوب النيل الأزرق السُّودانيَّة. عَبَدت تلك القبائل النَّار والشَّمس في أزمان بعيدة. ولها طقوس متميزة أوان احتفالات الحصاد تتضمَّن الرَّقص والمهرجانات وطقوس أخرى عديدة تُمارس ضمن عادة أكبر تعرف بعادة "جدع النار" التي لا زالت تمارس عند كل خريف حتى يوم الناس هذا. شارك حسين شريف أيضاً مع عطيَّات الأبنودي في إخراج فيلم (يوميَّات في المنفى) الذي أنتجته في العام ١٩٩٣م المنظمة السُّودانيَّة لحقوق الإنسان، مُوثِّقةً لحكايات نزوح أفرادٍ ومجموعاتٍ من النَّاسِ يقدِّمُون شهاداتهم التاريخيَّة الخاصَّة بالفترة التي تَلت حدوثَ انقلاب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان عام ١٩٨٩م. حيث شهدت تلك الفترة هجرة كثيفة من السُّودانيِّين والسُّودانيَّات إلى مُختلفِ أرجاء العالم، فالسُّودان غَدا آناءِها مكانَاً طاردَاً لأهلِهِ وشَعْبِهِ كما هو الآن حاله أثناء حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣. وقد هاجرت الغالبيَّة العظمى من السُّودانيين والسُّودانيَّات حينذاك إلى مصر التي صُوِّرَ فيها ذاكَ الفيلم وبلغ عدد النازحين هناك، في وقتِ تصوير الفيلم المعني، ما يقارب الثلاثة ملايين وقتها.
تطوَّرت الرسائل الفنيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة مع الجيل اللاحق لهذا الجيل بشكل لافت، حيث اتخذت أبعاداً فلسفيَّة وجماليَّة متطوِّرة كما ظهر هذا الأمر في تجارب إبراهيم شداد، سليمان محمد إبراهيم والطيِّب مهدي. حيث عالجت أفلام إبراهيم شداد وعلى رأسها فيلم (إنسان) ١٩٩٤م قضايا وجوديَّة وفلسفيَّة دائماً، واتجهت مع هذا الفيلم لمناقشة أزمة قوانين سبتمبر ١٩٨٣م التي شرعها نظام الديكتاتور جعفر نميري في قالب قصصي بسيط وثَّق لجرائم وانتهاكات هذه القوانين، وأثرها على حياة بسطاء الناس ممن لم ينجوا من قطع الأيدي وبعض القوانين الجائرة المرتبطة بهذه التشريعات. وعالج الطيِّب مهدي في فيلم (الضريح) ١٩٧٧م ذات المشكلة من منظور مختلف، حيث نبَّه باكراً -وفي شبه نبوءة استباقيَّة- ما آلت إليه الأوضاع مع تجربة الإسلام السياسي في السودان ومشكلة استغلال الدين لخداع المجتمع. وقام "عبادي محجوب" و"جاد الله جبارة" بإخراج فيلم (بركة الشيخ) وهو فيلم روائي طويل، يحكي قصة دجال تمكن من السيطرة على عقول البسطاء في إحدى القرى السودانية من خلال ادعائه لبعض الكرامات. موضحاً الكيفيَّة التي يمكن بها استغلال الدين وسط بيئة مفقرة من العلم والمعرفة وما يمكن أن يقود إليه ذلك من مصائب كبيرة. وناقش فيلم (المحطة) ١٩٨٩م مشكلة طريق التطوُّر الرأسمالي والتنمية التي لا تضع بالاً للإنسان في مناطق الإنتاج والوفرة الاقتصاديَّة من خلال مشاهد بصريَّة غاية في التناقض. حيث عشرات المئات من الشاحنات الممتلئة بالسلع النقديَّة للصادر في مدينة زراعيَّة مثل مدينة القضارف، وأسرة فقيرة تقف على قراعة الطريق وهي تحمل مريضاً مسجياً على ظهر حمار ينتظر وسيلة نقل توصله إلى أقرب مشفى داخل المدينة!
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

الفنون حياة

الفنون حياة
ثمة فكرة رائجة عن ما تَلعبه الفنون من أدوار في المجتمع، مفادها أنها تلعب أدوراً في التنوير والتعليم والترفيه، أي بكلّ ما يتّصل بالتنمية المجتمعية في مفهومها الأشمل، وبالطبع هذا افتراضٌ لا غبار عليه، لذلك يسعى الفاعلون في التغيير الاجتماعي إلى إدماجها في عمليات التغيير. لكن الناظر إلى أدوار الفنون بتمعّن سيجد أنها لا تقف عند هذه الأدوار، فالفنون وبما أنها "مجاورة" للحياة اليومية، وليست انعكاساً ميكانيكيّاً لها كما يذهب كثيرون؛ تجد نفسها بسبب مجاورتها هذه، مُطالبة بتحقيق اختلافٍ ما عن ما تُنتجه الحياة اليومية من جماليات ومجازات، فالحياة اليومية، كما نرى، لها اشتغال مجازيّ في اللغة في بعدها التواصلي؛ اشتغال في استطاعته أن يُحمِّل المفردات دلالات تتعدَّى معناها المعجمي، وأن يصيغ مقولات دالَّة على رافعة من المجاز تُعبِّر عن أكثر الأفكار والمشاعر تعقيداً، كما في ما يُعرف بالأمثال الشعبية، وتسطيع كذلك أن تُعيد تشكيل المادة الخام كالجسد، والحجر، والخشب، والطين، والسعف..إلخ، مما يمنحها انحرافاً معياريَّاً يضعها في حيِّز المجاورة مع الفنون.
إذن أين يكمن الاختلاف مع هذا التجاور؟ أي ما هي اللحظة التي تمظهر فيها هذا الاختلاف؟ الإجابة: إنها اللحظة التي ظهرت فيها الفئة التي سُمِّيت بالفنانين، وبدأ فيها استقلال الفنون عن الظواهر الكبرى؛ الدين والفلسفة، والأهم إعادة إنتاجها لجماليات الحياة اليومية ومجازاتها والشروع في بناء تاريخها الخاص. هذه السيرورة للفنون أول ما تَكشفه هو أن جينها الأساس، الـ(DNA)، قد تخلَّق من أمشاج متآزرة هي الدين والفلسفة والحياة اليومية، وهو ما جعلها تتفرَّد بخاصية "التنوّع"، والذي لا يقوم إلا والحوار والتحاور حضور. ولعلّ كل هذا مجتمعاً هو ما جَعَلها تتعدَّى البعد المجتمعي غير المعقّد الذي يَنظُر إليها كأداة، لتراوح بين المجتمعي والوجودي، بين اليومي والكوني بشعرية كثيفة، ومن هنا يتعدَّى موقعها في أن تكون وسيلة للبنى الاجتماعية الأخرى (اجتماعية، كانت أم اقتصادية، أم سياسية)، إلى مُجاوِرَة هذه البنى، مؤثِّرةً فيها ومُتأثِّرةً بها. يُضاف لهذا تميّزها في أنها تنهض عن (رؤيا للعالم)، كما في قول "لوسيان غولدمان"، وأنها حوارية بطبيعتها، وأن مبدعها ليس فرداً وإنما (ذاتاً مُبدعة)، والتي تعني فيما تعني جِماع الخبرات وتاريخ النمط الفني المعّين فما يكتبه أحدنا من نصٍّ شعريٍّ، على سبيل المثال، على أصالته ما هو إلا تجلٍّ لنصوص شِعريَّة خفية.
تظلّ الفنون جميعها بما لها من مقدرة في التعبير عن أسئلة الإنسان المجتمعية والوجودية، وفي منحه المقدرة على تذوق الوجود؛ تظلّ هي الأقدر على صناعة التحاور كاحتياج إنساني لا تستقيم الحياة بدونه، فهو وسيلة التعارف بينهم، وهو وسيلة التبادل السلميّ للأفكار والرؤى، وهو الجسر بين الإفضاء والسمع والبصر والفؤاد، وكيف لا؟ فالفنون عابرة للحدود؛ كل الحدود، والفنون تستحوذ على أَقيَمِ ما اخترعه الإنسان، وأعني هنا الحكي (القَصّ)، والاحتفال بما يحملانه من طاقات كبيرة في التعبير والإصغاء الخلاَّق، ومن اشتغالٍ في المكان ومن تحشيد، محصّلته الأخيرة صناعة الحوار والتحاور وهو ما لا تستطيع تحقيقه الأديان والفلسفات والسياسية بالجدارة التي تفعلها الفنون، لذلك فالفنون حياة.
إجمالاً تستطيع الفنون أن تساعد في:
- نشر ثقافة الحوار، وبالتالي نشر ثقافة الديمقراطية كما يفعل فن المسرح مثلاً، مما يساعد على خلق مجتمع تتعدَّد وتتنوَّع فيه الأفكار والآراء.
- تنمية الحسّ الإبداعي والملكات النقدية وتذوّق الجمال، مما يعني إمكانية خلق علاقة مُغايرة مع الواقع ومع الآخرين.
- إعادة حكاياتنا وقصصنا الشخصية، مما يُجمِّل علاقتنا بالعالم ويحفّزنا على اكتشاف ذواتنا.
- نشر الفرح والسرور والبهجة مما يساعد على تنمية الشخصية وزيادة قدرتها على التسامح والاعتراف بالآخر.
- تُمثِّل صوت من لا صوت لهم من المهمشين والفقراء، وذلك بالتعبير عن احتياجاتهم وأسئلتهم، مما يجعلهم حاضرين في المجال العام.
- تُساهم بالتنوير والتثقيف فى الحملات الاجتماعية والصحية والسياسية وغيرها، وهو ما يُعدُّ دعماً لهذه الحقوق.
- تساهم في الحد من النزاعات التي تنشأ من عدم المقدرة على إدارة التنوّع، وذلك بقدرتها على التصدي للتنميط الذي يطال الأفراد والمعتقدات على خلفيّات عرقية أو دينية أو نوعية، بمعنى الدعوة غير المباشرة للحوار في المسكوت عنه.
- تمثّل الصيغة الأمثل لدعم الحوار والتبادل الثقافي بين الشعوب، بما تمتلكه من خاصية تمكّنها من العبور السلمي بين الحدود.
قال محمود درويش:
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
مسلة المصري
مقبرة الفراعنة
النقوش على حجارة معبدٍ
هَزَمتك وانتَصرت وأفلَتَ من كمائنك الخلود
فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي
ثمة فكرة رائجة عن ما تَلعبه الفنون من أدوار في المجتمع، مفادها أنها تلعب أدوراً في التنوير والتعليم والترفيه، أي بكلّ ما يتّصل بالتنمية المجتمعية في مفهومها الأشمل، وبالطبع هذا افتراضٌ لا غبار عليه، لذلك يسعى الفاعلون في التغيير الاجتماعي إلى إدماجها في عمليات التغيير. لكن الناظر إلى أدوار الفنون بتمعّن سيجد أنها لا تقف عند هذه الأدوار، فالفنون وبما أنها "مجاورة" للحياة اليومية، وليست انعكاساً ميكانيكيّاً لها كما يذهب كثيرون؛ تجد نفسها بسبب مجاورتها هذه، مُطالبة بتحقيق اختلافٍ ما عن ما تُنتجه الحياة اليومية من جماليات ومجازات، فالحياة اليومية، كما نرى، لها اشتغال مجازيّ في اللغة في بعدها التواصلي؛ اشتغال في استطاعته أن يُحمِّل المفردات دلالات تتعدَّى معناها المعجمي، وأن يصيغ مقولات دالَّة على رافعة من المجاز تُعبِّر عن أكثر الأفكار والمشاعر تعقيداً، كما في ما يُعرف بالأمثال الشعبية، وتسطيع كذلك أن تُعيد تشكيل المادة الخام كالجسد، والحجر، والخشب، والطين، والسعف..إلخ، مما يمنحها انحرافاً معياريَّاً يضعها في حيِّز المجاورة مع الفنون.
إذن أين يكمن الاختلاف مع هذا التجاور؟ أي ما هي اللحظة التي تمظهر فيها هذا الاختلاف؟ الإجابة: إنها اللحظة التي ظهرت فيها الفئة التي سُمِّيت بالفنانين، وبدأ فيها استقلال الفنون عن الظواهر الكبرى؛ الدين والفلسفة، والأهم إعادة إنتاجها لجماليات الحياة اليومية ومجازاتها والشروع في بناء تاريخها الخاص. هذه السيرورة للفنون أول ما تَكشفه هو أن جينها الأساس، الـ(DNA)، قد تخلَّق من أمشاج متآزرة هي الدين والفلسفة والحياة اليومية، وهو ما جعلها تتفرَّد بخاصية "التنوّع"، والذي لا يقوم إلا والحوار والتحاور حضور. ولعلّ كل هذا مجتمعاً هو ما جَعَلها تتعدَّى البعد المجتمعي غير المعقّد الذي يَنظُر إليها كأداة، لتراوح بين المجتمعي والوجودي، بين اليومي والكوني بشعرية كثيفة، ومن هنا يتعدَّى موقعها في أن تكون وسيلة للبنى الاجتماعية الأخرى (اجتماعية، كانت أم اقتصادية، أم سياسية)، إلى مُجاوِرَة هذه البنى، مؤثِّرةً فيها ومُتأثِّرةً بها. يُضاف لهذا تميّزها في أنها تنهض عن (رؤيا للعالم)، كما في قول "لوسيان غولدمان"، وأنها حوارية بطبيعتها، وأن مبدعها ليس فرداً وإنما (ذاتاً مُبدعة)، والتي تعني فيما تعني جِماع الخبرات وتاريخ النمط الفني المعّين فما يكتبه أحدنا من نصٍّ شعريٍّ، على سبيل المثال، على أصالته ما هو إلا تجلٍّ لنصوص شِعريَّة خفية.
تظلّ الفنون جميعها بما لها من مقدرة في التعبير عن أسئلة الإنسان المجتمعية والوجودية، وفي منحه المقدرة على تذوق الوجود؛ تظلّ هي الأقدر على صناعة التحاور كاحتياج إنساني لا تستقيم الحياة بدونه، فهو وسيلة التعارف بينهم، وهو وسيلة التبادل السلميّ للأفكار والرؤى، وهو الجسر بين الإفضاء والسمع والبصر والفؤاد، وكيف لا؟ فالفنون عابرة للحدود؛ كل الحدود، والفنون تستحوذ على أَقيَمِ ما اخترعه الإنسان، وأعني هنا الحكي (القَصّ)، والاحتفال بما يحملانه من طاقات كبيرة في التعبير والإصغاء الخلاَّق، ومن اشتغالٍ في المكان ومن تحشيد، محصّلته الأخيرة صناعة الحوار والتحاور وهو ما لا تستطيع تحقيقه الأديان والفلسفات والسياسية بالجدارة التي تفعلها الفنون، لذلك فالفنون حياة.
إجمالاً تستطيع الفنون أن تساعد في:
- نشر ثقافة الحوار، وبالتالي نشر ثقافة الديمقراطية كما يفعل فن المسرح مثلاً، مما يساعد على خلق مجتمع تتعدَّد وتتنوَّع فيه الأفكار والآراء.
- تنمية الحسّ الإبداعي والملكات النقدية وتذوّق الجمال، مما يعني إمكانية خلق علاقة مُغايرة مع الواقع ومع الآخرين.
- إعادة حكاياتنا وقصصنا الشخصية، مما يُجمِّل علاقتنا بالعالم ويحفّزنا على اكتشاف ذواتنا.
- نشر الفرح والسرور والبهجة مما يساعد على تنمية الشخصية وزيادة قدرتها على التسامح والاعتراف بالآخر.
- تُمثِّل صوت من لا صوت لهم من المهمشين والفقراء، وذلك بالتعبير عن احتياجاتهم وأسئلتهم، مما يجعلهم حاضرين في المجال العام.
- تُساهم بالتنوير والتثقيف فى الحملات الاجتماعية والصحية والسياسية وغيرها، وهو ما يُعدُّ دعماً لهذه الحقوق.
- تساهم في الحد من النزاعات التي تنشأ من عدم المقدرة على إدارة التنوّع، وذلك بقدرتها على التصدي للتنميط الذي يطال الأفراد والمعتقدات على خلفيّات عرقية أو دينية أو نوعية، بمعنى الدعوة غير المباشرة للحوار في المسكوت عنه.
- تمثّل الصيغة الأمثل لدعم الحوار والتبادل الثقافي بين الشعوب، بما تمتلكه من خاصية تمكّنها من العبور السلمي بين الحدود.
قال محمود درويش:
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
مسلة المصري
مقبرة الفراعنة
النقوش على حجارة معبدٍ
هَزَمتك وانتَصرت وأفلَتَ من كمائنك الخلود
فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

ثمة فكرة رائجة عن ما تَلعبه الفنون من أدوار في المجتمع، مفادها أنها تلعب أدوراً في التنوير والتعليم والترفيه، أي بكلّ ما يتّصل بالتنمية المجتمعية في مفهومها الأشمل، وبالطبع هذا افتراضٌ لا غبار عليه، لذلك يسعى الفاعلون في التغيير الاجتماعي إلى إدماجها في عمليات التغيير. لكن الناظر إلى أدوار الفنون بتمعّن سيجد أنها لا تقف عند هذه الأدوار، فالفنون وبما أنها "مجاورة" للحياة اليومية، وليست انعكاساً ميكانيكيّاً لها كما يذهب كثيرون؛ تجد نفسها بسبب مجاورتها هذه، مُطالبة بتحقيق اختلافٍ ما عن ما تُنتجه الحياة اليومية من جماليات ومجازات، فالحياة اليومية، كما نرى، لها اشتغال مجازيّ في اللغة في بعدها التواصلي؛ اشتغال في استطاعته أن يُحمِّل المفردات دلالات تتعدَّى معناها المعجمي، وأن يصيغ مقولات دالَّة على رافعة من المجاز تُعبِّر عن أكثر الأفكار والمشاعر تعقيداً، كما في ما يُعرف بالأمثال الشعبية، وتسطيع كذلك أن تُعيد تشكيل المادة الخام كالجسد، والحجر، والخشب، والطين، والسعف..إلخ، مما يمنحها انحرافاً معياريَّاً يضعها في حيِّز المجاورة مع الفنون.
إذن أين يكمن الاختلاف مع هذا التجاور؟ أي ما هي اللحظة التي تمظهر فيها هذا الاختلاف؟ الإجابة: إنها اللحظة التي ظهرت فيها الفئة التي سُمِّيت بالفنانين، وبدأ فيها استقلال الفنون عن الظواهر الكبرى؛ الدين والفلسفة، والأهم إعادة إنتاجها لجماليات الحياة اليومية ومجازاتها والشروع في بناء تاريخها الخاص. هذه السيرورة للفنون أول ما تَكشفه هو أن جينها الأساس، الـ(DNA)، قد تخلَّق من أمشاج متآزرة هي الدين والفلسفة والحياة اليومية، وهو ما جعلها تتفرَّد بخاصية "التنوّع"، والذي لا يقوم إلا والحوار والتحاور حضور. ولعلّ كل هذا مجتمعاً هو ما جَعَلها تتعدَّى البعد المجتمعي غير المعقّد الذي يَنظُر إليها كأداة، لتراوح بين المجتمعي والوجودي، بين اليومي والكوني بشعرية كثيفة، ومن هنا يتعدَّى موقعها في أن تكون وسيلة للبنى الاجتماعية الأخرى (اجتماعية، كانت أم اقتصادية، أم سياسية)، إلى مُجاوِرَة هذه البنى، مؤثِّرةً فيها ومُتأثِّرةً بها. يُضاف لهذا تميّزها في أنها تنهض عن (رؤيا للعالم)، كما في قول "لوسيان غولدمان"، وأنها حوارية بطبيعتها، وأن مبدعها ليس فرداً وإنما (ذاتاً مُبدعة)، والتي تعني فيما تعني جِماع الخبرات وتاريخ النمط الفني المعّين فما يكتبه أحدنا من نصٍّ شعريٍّ، على سبيل المثال، على أصالته ما هو إلا تجلٍّ لنصوص شِعريَّة خفية.
تظلّ الفنون جميعها بما لها من مقدرة في التعبير عن أسئلة الإنسان المجتمعية والوجودية، وفي منحه المقدرة على تذوق الوجود؛ تظلّ هي الأقدر على صناعة التحاور كاحتياج إنساني لا تستقيم الحياة بدونه، فهو وسيلة التعارف بينهم، وهو وسيلة التبادل السلميّ للأفكار والرؤى، وهو الجسر بين الإفضاء والسمع والبصر والفؤاد، وكيف لا؟ فالفنون عابرة للحدود؛ كل الحدود، والفنون تستحوذ على أَقيَمِ ما اخترعه الإنسان، وأعني هنا الحكي (القَصّ)، والاحتفال بما يحملانه من طاقات كبيرة في التعبير والإصغاء الخلاَّق، ومن اشتغالٍ في المكان ومن تحشيد، محصّلته الأخيرة صناعة الحوار والتحاور وهو ما لا تستطيع تحقيقه الأديان والفلسفات والسياسية بالجدارة التي تفعلها الفنون، لذلك فالفنون حياة.
إجمالاً تستطيع الفنون أن تساعد في:
- نشر ثقافة الحوار، وبالتالي نشر ثقافة الديمقراطية كما يفعل فن المسرح مثلاً، مما يساعد على خلق مجتمع تتعدَّد وتتنوَّع فيه الأفكار والآراء.
- تنمية الحسّ الإبداعي والملكات النقدية وتذوّق الجمال، مما يعني إمكانية خلق علاقة مُغايرة مع الواقع ومع الآخرين.
- إعادة حكاياتنا وقصصنا الشخصية، مما يُجمِّل علاقتنا بالعالم ويحفّزنا على اكتشاف ذواتنا.
- نشر الفرح والسرور والبهجة مما يساعد على تنمية الشخصية وزيادة قدرتها على التسامح والاعتراف بالآخر.
- تُمثِّل صوت من لا صوت لهم من المهمشين والفقراء، وذلك بالتعبير عن احتياجاتهم وأسئلتهم، مما يجعلهم حاضرين في المجال العام.
- تُساهم بالتنوير والتثقيف فى الحملات الاجتماعية والصحية والسياسية وغيرها، وهو ما يُعدُّ دعماً لهذه الحقوق.
- تساهم في الحد من النزاعات التي تنشأ من عدم المقدرة على إدارة التنوّع، وذلك بقدرتها على التصدي للتنميط الذي يطال الأفراد والمعتقدات على خلفيّات عرقية أو دينية أو نوعية، بمعنى الدعوة غير المباشرة للحوار في المسكوت عنه.
- تمثّل الصيغة الأمثل لدعم الحوار والتبادل الثقافي بين الشعوب، بما تمتلكه من خاصية تمكّنها من العبور السلمي بين الحدود.
قال محمود درويش:
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين
مسلة المصري
مقبرة الفراعنة
النقوش على حجارة معبدٍ
هَزَمتك وانتَصرت وأفلَتَ من كمائنك الخلود
فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

إيماءات وإشارات

إيماءات وإشارات
هناك نكتة قديمة عن طالب سوداني سافر إلى أوروبا منذ زمن بعيد، وكان يُخطئ في التعرُّف على أشخاص يظنّ أنّهم سودانيون بناءً على ملامحهم. وفي أحد الأيام، بينما كان يستقل قطار الأنفاق، صعد شخص تبدو عليه الملامح السودانية. كان الطالب قد فقد الأمل في العثور على شخص آخر من جنسيته، لكن الشخص جلسَ بجانبه، وعندما انحنى للجلوس أطلق صوت "أَحْ"، فاحتضنه الطالب على الفور.
تتحدث هذه النكتة عن الإيماءات غير اللفظية التي نقوم بها والتي تجعلنا مميزين، ولكنها أيضًا تُتِيح لنا فهم بعضنا البعض أو حتى إجراء محادثات كاملة دون أن نفتح أفواهنا.
يمكننا جميعاً التعرُّف على حركة ضَم أطراف الأصابع الخمسة معاً، التي غالباً ما تُنسب إلى المتحدثين الإيطاليين، باعتبارها حركة أكثر تهديداً وتُستخدم من قِبَل الأمهات الغاضبات للإشارة إلى عقوبة مُؤَجَّلة.
استخدام العيون والفم للتعبير عن فكرةٍ ما أمر شائع في المحادثات اليومية، وكذلك الأمر بالنسبة للرائحة. المرأة المتزوجة حديثاً تسير محاطة بسحابة من العطر أينما ذهبت، مما يشير إلى حالتها الاجتماعية الجديدة. ويمكنك التعرُّف على المرأة المتزوجة من خلال نمط حنّائها، حيث تُحصر تغطية أطراف الأصابع على النساء المتزوجات، ولكن من الأنماط وكمية الحناء يمكنك أن تعرف ما إذا كانت حديثة الزواج أم عروساً، أو حتى امرأة غير متزوجة لكنها قريبة جداً من العروس، مثل الأخت على سبيل المثال.
هناك إشارات يدويَّة أخرى حديثة الاختراع، مثل أسلوب الإشارة لركوب الباصات. فقد اختَرَع "الكماسرة" -وهم مساعدو السائقين- لغة كاملة للتواصل تختلف من مكان لآخر حسب نقطة الانطلاق والوجهة. لكنها رمزية للغاية، فمثلًا، الإشارة المتكررة إلى الأسفل تعني أن الباص سيلتزم بهذا الطريق، دوران الإصبع يعني أن الباص متجه إلى دوار، الإشارة شرقًا تعني أن الباص متجه إلى بحري أو الخرطوم، الواقعتين شرق النيل، بينما الإشارة غربًا تعني أن الباص متجه إلى الخرطوم إذا كُنتَ تستقلّ الباص من أم درمان أو بحري. أما الإشارة إلى الأعلى، فتعني أنه لا توجد مقاعد فارغة، وأنك ستضطر للوقوف بجانب الباب، وهو حق محفوظ للرجال فقط. الإشارة الأكثر إحباطًا في هذا السياق هي عندما "تنمو" للكُمساري أيدٍ متعددة، فهذا يعني أن الباب نفسه ممتلئ، ولن يتوقف الباص لأي كائنٍ حي أو غير حي.
عندما تكون داخل الباص، يهز الكمساري قبضته المليئة بالنقود المعدنية ليُعلِمك بضرورة الدفع، وهو لا يُفرقِع أصابعه إلا عندما يحاول أحد الركاب التظاهر بعدم سماع صوت النقود. لإيقاف الباص، يمكنك فرقعة أصابعك، لكن السائق لن يتوقف إلا بإشارة الكمساري، والتي تكون عادةً صفارة. الباص سيتوقف في أي مكان تريده، حتى لو كان في وسط النهر.
وفي عوالم المواصلات، هناك نظام إشارات آخر معروف، وهو استخدام أبواق الموسيقى من قبل الباصات والشاحنات في الطرق السريعة بين المدن. يستخدم السائقون الألحان للإعلان عن وصولهم أو لطلب كوب من القهوة من ست الشاي أثناء اقترابهم من المحطة. كما يتواصلون مع بعضهم البعض أو يقومون بذلك للمتعة فقط.
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي
هناك نكتة قديمة عن طالب سوداني سافر إلى أوروبا منذ زمن بعيد، وكان يُخطئ في التعرُّف على أشخاص يظنّ أنّهم سودانيون بناءً على ملامحهم. وفي أحد الأيام، بينما كان يستقل قطار الأنفاق، صعد شخص تبدو عليه الملامح السودانية. كان الطالب قد فقد الأمل في العثور على شخص آخر من جنسيته، لكن الشخص جلسَ بجانبه، وعندما انحنى للجلوس أطلق صوت "أَحْ"، فاحتضنه الطالب على الفور.
تتحدث هذه النكتة عن الإيماءات غير اللفظية التي نقوم بها والتي تجعلنا مميزين، ولكنها أيضًا تُتِيح لنا فهم بعضنا البعض أو حتى إجراء محادثات كاملة دون أن نفتح أفواهنا.
يمكننا جميعاً التعرُّف على حركة ضَم أطراف الأصابع الخمسة معاً، التي غالباً ما تُنسب إلى المتحدثين الإيطاليين، باعتبارها حركة أكثر تهديداً وتُستخدم من قِبَل الأمهات الغاضبات للإشارة إلى عقوبة مُؤَجَّلة.
استخدام العيون والفم للتعبير عن فكرةٍ ما أمر شائع في المحادثات اليومية، وكذلك الأمر بالنسبة للرائحة. المرأة المتزوجة حديثاً تسير محاطة بسحابة من العطر أينما ذهبت، مما يشير إلى حالتها الاجتماعية الجديدة. ويمكنك التعرُّف على المرأة المتزوجة من خلال نمط حنّائها، حيث تُحصر تغطية أطراف الأصابع على النساء المتزوجات، ولكن من الأنماط وكمية الحناء يمكنك أن تعرف ما إذا كانت حديثة الزواج أم عروساً، أو حتى امرأة غير متزوجة لكنها قريبة جداً من العروس، مثل الأخت على سبيل المثال.
هناك إشارات يدويَّة أخرى حديثة الاختراع، مثل أسلوب الإشارة لركوب الباصات. فقد اختَرَع "الكماسرة" -وهم مساعدو السائقين- لغة كاملة للتواصل تختلف من مكان لآخر حسب نقطة الانطلاق والوجهة. لكنها رمزية للغاية، فمثلًا، الإشارة المتكررة إلى الأسفل تعني أن الباص سيلتزم بهذا الطريق، دوران الإصبع يعني أن الباص متجه إلى دوار، الإشارة شرقًا تعني أن الباص متجه إلى بحري أو الخرطوم، الواقعتين شرق النيل، بينما الإشارة غربًا تعني أن الباص متجه إلى الخرطوم إذا كُنتَ تستقلّ الباص من أم درمان أو بحري. أما الإشارة إلى الأعلى، فتعني أنه لا توجد مقاعد فارغة، وأنك ستضطر للوقوف بجانب الباب، وهو حق محفوظ للرجال فقط. الإشارة الأكثر إحباطًا في هذا السياق هي عندما "تنمو" للكُمساري أيدٍ متعددة، فهذا يعني أن الباب نفسه ممتلئ، ولن يتوقف الباص لأي كائنٍ حي أو غير حي.
عندما تكون داخل الباص، يهز الكمساري قبضته المليئة بالنقود المعدنية ليُعلِمك بضرورة الدفع، وهو لا يُفرقِع أصابعه إلا عندما يحاول أحد الركاب التظاهر بعدم سماع صوت النقود. لإيقاف الباص، يمكنك فرقعة أصابعك، لكن السائق لن يتوقف إلا بإشارة الكمساري، والتي تكون عادةً صفارة. الباص سيتوقف في أي مكان تريده، حتى لو كان في وسط النهر.
وفي عوالم المواصلات، هناك نظام إشارات آخر معروف، وهو استخدام أبواق الموسيقى من قبل الباصات والشاحنات في الطرق السريعة بين المدن. يستخدم السائقون الألحان للإعلان عن وصولهم أو لطلب كوب من القهوة من ست الشاي أثناء اقترابهم من المحطة. كما يتواصلون مع بعضهم البعض أو يقومون بذلك للمتعة فقط.
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

هناك نكتة قديمة عن طالب سوداني سافر إلى أوروبا منذ زمن بعيد، وكان يُخطئ في التعرُّف على أشخاص يظنّ أنّهم سودانيون بناءً على ملامحهم. وفي أحد الأيام، بينما كان يستقل قطار الأنفاق، صعد شخص تبدو عليه الملامح السودانية. كان الطالب قد فقد الأمل في العثور على شخص آخر من جنسيته، لكن الشخص جلسَ بجانبه، وعندما انحنى للجلوس أطلق صوت "أَحْ"، فاحتضنه الطالب على الفور.
تتحدث هذه النكتة عن الإيماءات غير اللفظية التي نقوم بها والتي تجعلنا مميزين، ولكنها أيضًا تُتِيح لنا فهم بعضنا البعض أو حتى إجراء محادثات كاملة دون أن نفتح أفواهنا.
يمكننا جميعاً التعرُّف على حركة ضَم أطراف الأصابع الخمسة معاً، التي غالباً ما تُنسب إلى المتحدثين الإيطاليين، باعتبارها حركة أكثر تهديداً وتُستخدم من قِبَل الأمهات الغاضبات للإشارة إلى عقوبة مُؤَجَّلة.
استخدام العيون والفم للتعبير عن فكرةٍ ما أمر شائع في المحادثات اليومية، وكذلك الأمر بالنسبة للرائحة. المرأة المتزوجة حديثاً تسير محاطة بسحابة من العطر أينما ذهبت، مما يشير إلى حالتها الاجتماعية الجديدة. ويمكنك التعرُّف على المرأة المتزوجة من خلال نمط حنّائها، حيث تُحصر تغطية أطراف الأصابع على النساء المتزوجات، ولكن من الأنماط وكمية الحناء يمكنك أن تعرف ما إذا كانت حديثة الزواج أم عروساً، أو حتى امرأة غير متزوجة لكنها قريبة جداً من العروس، مثل الأخت على سبيل المثال.
هناك إشارات يدويَّة أخرى حديثة الاختراع، مثل أسلوب الإشارة لركوب الباصات. فقد اختَرَع "الكماسرة" -وهم مساعدو السائقين- لغة كاملة للتواصل تختلف من مكان لآخر حسب نقطة الانطلاق والوجهة. لكنها رمزية للغاية، فمثلًا، الإشارة المتكررة إلى الأسفل تعني أن الباص سيلتزم بهذا الطريق، دوران الإصبع يعني أن الباص متجه إلى دوار، الإشارة شرقًا تعني أن الباص متجه إلى بحري أو الخرطوم، الواقعتين شرق النيل، بينما الإشارة غربًا تعني أن الباص متجه إلى الخرطوم إذا كُنتَ تستقلّ الباص من أم درمان أو بحري. أما الإشارة إلى الأعلى، فتعني أنه لا توجد مقاعد فارغة، وأنك ستضطر للوقوف بجانب الباب، وهو حق محفوظ للرجال فقط. الإشارة الأكثر إحباطًا في هذا السياق هي عندما "تنمو" للكُمساري أيدٍ متعددة، فهذا يعني أن الباب نفسه ممتلئ، ولن يتوقف الباص لأي كائنٍ حي أو غير حي.
عندما تكون داخل الباص، يهز الكمساري قبضته المليئة بالنقود المعدنية ليُعلِمك بضرورة الدفع، وهو لا يُفرقِع أصابعه إلا عندما يحاول أحد الركاب التظاهر بعدم سماع صوت النقود. لإيقاف الباص، يمكنك فرقعة أصابعك، لكن السائق لن يتوقف إلا بإشارة الكمساري، والتي تكون عادةً صفارة. الباص سيتوقف في أي مكان تريده، حتى لو كان في وسط النهر.
وفي عوالم المواصلات، هناك نظام إشارات آخر معروف، وهو استخدام أبواق الموسيقى من قبل الباصات والشاحنات في الطرق السريعة بين المدن. يستخدم السائقون الألحان للإعلان عن وصولهم أو لطلب كوب من القهوة من ست الشاي أثناء اقترابهم من المحطة. كما يتواصلون مع بعضهم البعض أو يقومون بذلك للمتعة فقط.
لوحة الغلاف من تصميم هند عبد الباقي

لغة النحاس

لغة النحاس
تسمى مجموعة الطبول المخصصة لكل حاكم أو قبيلة بالنحاس، وكانت تُصنع من النحاس وتُغطى بجلد التيتل أو البقر أو الإبل.
- للطبول دلالات ثقافية ممتدّة من مملكة الفونج وحتى اليوم، فقد كانت تُستخدم كرمز قَبَلي وأداة للتواصل بين القبائل، وارتبطت بالكثير من الطقوس والمراسم، مثل حالات الاستدعاء العامة للحرب، وعند وفاة شخص عظيم، وأيضاً في حالات التشاور أو الاجتماع بالسلاطين.
- سُميت الإيقاعات المضروبة على النحاس بأسماء مختلفة مثل الدّرَق (إيقاع إثارة الحماس وإظهار المكانة الاجتماعية) ، وغيرها من الإيقاعات المتعارف عليها عبر الأجيال.
- استخدمت الدولة المهدية النحاس ضمن الوحدة الموسيقية للخليفة، وشملت جماعة النحاس، وجماعة الإمباية. وكان ذلك في العرضة والاحتفالات والمناسبات القومية المختلفة.
- فعّل الخليفة عبد الله منشور الإمام المهدي الذي كان ينص على عدم جواز ضرب النّحاس إلّا في حالتي الحرب والمأتم.
صورة الغلاف: قبيلة الجعليين تدق النحاس في معسكر ود حمد أثناء الاستعدادات النهائية للتقدم إلى جبهة أم درمان، تاريخ الصورة: ١٨٩٨، تصوير الجنرال السير ريجينالد وينجيت © أرشيف السودان بجامعة دورهام
تسمى مجموعة الطبول المخصصة لكل حاكم أو قبيلة بالنحاس، وكانت تُصنع من النحاس وتُغطى بجلد التيتل أو البقر أو الإبل.
- للطبول دلالات ثقافية ممتدّة من مملكة الفونج وحتى اليوم، فقد كانت تُستخدم كرمز قَبَلي وأداة للتواصل بين القبائل، وارتبطت بالكثير من الطقوس والمراسم، مثل حالات الاستدعاء العامة للحرب، وعند وفاة شخص عظيم، وأيضاً في حالات التشاور أو الاجتماع بالسلاطين.
- سُميت الإيقاعات المضروبة على النحاس بأسماء مختلفة مثل الدّرَق (إيقاع إثارة الحماس وإظهار المكانة الاجتماعية) ، وغيرها من الإيقاعات المتعارف عليها عبر الأجيال.
- استخدمت الدولة المهدية النحاس ضمن الوحدة الموسيقية للخليفة، وشملت جماعة النحاس، وجماعة الإمباية. وكان ذلك في العرضة والاحتفالات والمناسبات القومية المختلفة.
- فعّل الخليفة عبد الله منشور الإمام المهدي الذي كان ينص على عدم جواز ضرب النّحاس إلّا في حالتي الحرب والمأتم.
صورة الغلاف: قبيلة الجعليين تدق النحاس في معسكر ود حمد أثناء الاستعدادات النهائية للتقدم إلى جبهة أم درمان، تاريخ الصورة: ١٨٩٨، تصوير الجنرال السير ريجينالد وينجيت © أرشيف السودان بجامعة دورهام

تسمى مجموعة الطبول المخصصة لكل حاكم أو قبيلة بالنحاس، وكانت تُصنع من النحاس وتُغطى بجلد التيتل أو البقر أو الإبل.
- للطبول دلالات ثقافية ممتدّة من مملكة الفونج وحتى اليوم، فقد كانت تُستخدم كرمز قَبَلي وأداة للتواصل بين القبائل، وارتبطت بالكثير من الطقوس والمراسم، مثل حالات الاستدعاء العامة للحرب، وعند وفاة شخص عظيم، وأيضاً في حالات التشاور أو الاجتماع بالسلاطين.
- سُميت الإيقاعات المضروبة على النحاس بأسماء مختلفة مثل الدّرَق (إيقاع إثارة الحماس وإظهار المكانة الاجتماعية) ، وغيرها من الإيقاعات المتعارف عليها عبر الأجيال.
- استخدمت الدولة المهدية النحاس ضمن الوحدة الموسيقية للخليفة، وشملت جماعة النحاس، وجماعة الإمباية. وكان ذلك في العرضة والاحتفالات والمناسبات القومية المختلفة.
- فعّل الخليفة عبد الله منشور الإمام المهدي الذي كان ينص على عدم جواز ضرب النّحاس إلّا في حالتي الحرب والمأتم.
صورة الغلاف: قبيلة الجعليين تدق النحاس في معسكر ود حمد أثناء الاستعدادات النهائية للتقدم إلى جبهة أم درمان، تاريخ الصورة: ١٨٩٨، تصوير الجنرال السير ريجينالد وينجيت © أرشيف السودان بجامعة دورهام

نحاس السلطان علي دينار

نحاس السلطان علي دينار
أوائل القرن العشرين
هذا النحاس يرمز إلى سلطة سلطان دارفور. تم استخدامه لدعوة الناس للحضور في المناسبات خاصةُ المتعلقة بالحرب والطوارئ. كما تم استخدامه كأداة موسيقية. مصنوع من النحاس وجلد البقر.
مجموعة متحف بيت الخليفة
أوائل القرن العشرين
هذا النحاس يرمز إلى سلطة سلطان دارفور. تم استخدامه لدعوة الناس للحضور في المناسبات خاصةُ المتعلقة بالحرب والطوارئ. كما تم استخدامه كأداة موسيقية. مصنوع من النحاس وجلد البقر.
مجموعة متحف بيت الخليفة

أوائل القرن العشرين
هذا النحاس يرمز إلى سلطة سلطان دارفور. تم استخدامه لدعوة الناس للحضور في المناسبات خاصةُ المتعلقة بالحرب والطوارئ. كما تم استخدامه كأداة موسيقية. مصنوع من النحاس وجلد البقر.
مجموعة متحف بيت الخليفة

حوارٌ مع عوالم أخرى

حوارٌ مع عوالم أخرى
للشيوخ وأصحاب الكرامات مكانة مهمة في المجتمع السوداني، خصوصاً في المفاهيم الصوفية، كمثل الشيوخ من يتبعون الطرق الإسلامية للعلاج والرقية الشرعية، وهي تعتمد القرآن والسنة كمرجع للعلاج. السحر والشعوذة هي ممارسات محرمة في الدين الإسلامي، إلا أن هذا لا يعني أنه ليس هناك شيوخ يستخدمون السحر لأغراض أخرى، يطلق عليهم مصطلح الشيوخ الروحانيين. عادة ترتبط زيارة مثل هذه المزارات بطلبات درامية الطبع مثل جلب الحبيب، فك العوارض أو التحكم بقرار شخص، وقد تكون طلبات أكثر شراً مثل جلب الحظ السيء على شخص آخر، أو ما يسمى "بكتابة" شخص. على خلاف الشيوخ "الفقرا" وأصحاب الكرامات، يعتمد الشيوخ الروحانيين على قدرتهم على تواصل مع كائنات من عوالم أخرى، حيث يقوم الساحر بعقد اتفاق مع "خادم السحر" (جني/مارد/عفريت) على أن يُتِمَّ أمر بالنيابة عنه بعد تبادل منافع مع الساحر، وهو نوع من التواصل يعتبر محفوفاً بالمخاطر.
الجِنّ مفردها جِنِّيّ أو "جِنِّيَّة" وهو من الفعل جَنَّ (بفتح الجيم وتشديد النون وفتحها) بمعنى استَتر وغطَّى، وهم وبحسب مختلف الأديان والأساطير العربية القديمة مخلوقات تعيش في ذات العالم، ولكن لا يمكن رؤيتها عادة، وهي خارقة للطبيعة التي تدركها حواسنا، لها عقول وفهم، ويقال إنما سميت بذلك لأنها تتوارى عن الأنظار ولا تُرى. أجمع المسلمون على إقرار وجودها.
في السودان يعتقد البعض أن الاعتقاد بالجن والسحر هي عادة قديمة ترجع لعصور ما قبل نشأة الحضارة الكوشية. وفي التاريخ الحديث، يَعتقد سُكَّان جزيرة سواكن التاريخية الأثرية أن الجن يسكنها منذ عهد النبي سليمان، ومنه جاء الاسم "سواكن"، ونُسجت حولها الكثير من القصص والأساطير، فمن منّا لم يسمع عن قطط سواكن؟. وللجن وقبائل الجن الكثير من النصوص والدراسات الدينية، كما له ولعالم الغيب الكثير من الممارسات التراثية في الإرث السوداني، قد اندثر الكثير منها وما زال يمارسها البعض، وإن كان أغلب الممارسين لا يعلمون علاقتها بهذا النوع من المعتقدات.
كمثال للممارسات في الحماية من الجن ما يَتَمثَّل في صنع التمائم والأحجبة -جمع حجاب- وربط الخرز على الأطفال وحتى الماشية، هي معتقدات بأنها تحمي من الجن والأرواح الشريرة وكذلك مفهوم العالم السفلي. وما زالت تُمارس في أماكن مختلفة من السودان، مثلها مثل الحريرة، وهي عبارة عن خيوط من الحرير الخالص يُضفَر وتتخلَّله خُرزة زرقاء تُربط في معصم اليد في العادات والتقاليد السودانية المرتبطة بالزواج، الجرتق على الخصوص، والطهور. قد لا تكون الحريرة بنفس وضوح التمائم إلا أنها أيضاً ترتبط بمفهوم الحماية من الأرواح الشريرة والعين والحَسد والجن، وتقوم بالإشراف على صنعها وربطها النساء الكبار في السن؛ حيث يكنّ قريبات الزوج أو الزوجة أو الخالات والعمات والجدات، وأيضاً أم أو جدة الطفل عند الطهور (الختان).
وكتبت أستاذة أماني بشير، مديرة متحف شيكان، عن عادات منطقة الأبيض وكردفان في ما يخص خاتم الجنيه، وهو عبارة عن قطعة معدنية مرسومٌ على الوجه الأول صورة رجل والوجه الآخر قيمة لعملة الجنيه. يُرتَدى الجنيه كقطعة حلي أصل صنعها من الذهب الخالص، لكن توجد الفضة ومعادن أخرى ترتديها النساء بصورة أساسية للزينة، وتتمثّل معتقدات لبس خاتم الجنيه في الحفظ من الأرواح الشريرة، ولذلك ترتديه العروس لمدة أربعين يوم بعد الزواج، ويعتقد في تلك الفترة أنها تكون في أبهى جمالها وأن الأرواح الشريرة تكثُر من حولها، وأيضاً ترتديه المرأة النَفَسَاء في فترة النفاس لذات المعتقد، أيضاً يرتديه العريس لمدة سبعة أيام من زواجه. من هذا المنطلق وُضع لبس خاتم الجنيه للحماية من الطاقات السلبية التي يمكن أن تضرّ الإنسان.
بينما الأحجبة والحريرة والجنيه كلها تمائم تعني الحماية وقطع التواصل مع العوالم الأخرى، إلا أن هناك ممارسات أخرى مهمتها التواصل مع الجن مباشرة، لطرح أسئلة أو غيرها، أشهرها "رمي الوَدِع" و"الزَّار/الظّار". رمي الودع هو نوع من أنواع قراءة الطالع، وتُرمى فيه قواقع أو صدف البحر يختار منها سبع صدفات متشابهة وبشكل معروف، تحرك معاً داخل الكف وهي مغلقة ثم تُلقى على الأرض، لتقوم قارئة الطالع بترجمة الرسالة الناتجة من وضعية الصدفات بحسب مدى قربها أو بعدها عن بعضها، أو إن كانت مقلوبة على ظهرها أو على وجهها، فما يستقر عليه "الودع" في كل مرة له قراءة خاصة ربما تكون مؤكِّدة للقراءة السابقة أو مختلفة عنها. و عادة يبحث السائل عن إجابات عن أشخاص آخرين ومعرفة أسباب مشاكلهم، وليس شرطاً أن تكون متعلقة بالمستقبل بل قد تكون متعلقة بالماضي أو المستقبل أو مزيج منهما. ويعتقد في مقدرة قارئة الودع من التواصل مع عالم آخر وترجمة تلك الرسائل عبر استخدام الصَدَف. وذلك بعكس حالة الزار/الظار أو ما يعرف بالريح الأحمر، حيث تكون الزائرة هي "الممسوسة" وفي حاجة لتقديم طقس للجن وتلبي الكثير من الرغبات لتصبح أفضل.
يُعتقد أن الزار يأتي من أصول إفريقية، انتقل من الحبشة إلى السودان ومصر وهو طقس استحضار أرواح الأسلاف والأسياد والشيوخ وتحقيق طلباتهم أو تقمص أرواحهم بغرض شفاء المرضى ممن تتلبسهم الجن. يرى الكثير من الناس أن الزار طقس علاجي، له الفضل في علاج كثير من الحالات النفسية الهستيرية، كما هو طريقة للنساء في التعامل مع ضغوط حياتهن. ويتم عبر تحقيق طلبات الأسياد، كتخصيص طعام وموسيقى وأغانٍ وعطور وبخور وملابس وغيرها لهذا الطقس، وتحضر الطقس الكثير من النساء اللاتي يلعبن أدواراً مختلفة؛ مثل شيخة الزار ولها مساعدات ونائبة تتولى مراقبة الحفل وضبطه، وحبوبة الكانون المسؤولة من الطعام وغيرهن. وهناك اختلاف في أنواع احتفالات الزار تسمى خيوط التي تقام مع اختلاف الطقوس، حسب نوع أو جنس الجن صاحب المس، كخيط الزرق أو السود، وتكون "المزيورات" في خيط الزرق من قبائل غرب إفريقيا، مثل الهوسا والفلاتة وجنوب السودان، ويكون طعامهم وموسيقاهم وملابسهم بحسب عاداتهم الأصلية. وبصورة مشابهة خيط الحبش وخيط الخواجات وغيرهم.
بعيداً عن عالم الجن والسحر يفضل المسلمون طلب الحاجة من الله سبحانه وتعالى من غير وسيط، والتبرك بالكرامة وهي الصدقة، أيضاً تُسمى البركة وهي ممارسة اجتماعية تؤديها المجتمعات بنية التقرب والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ورفع البلاء أو تخفيف المصائب أو الشكر على نعمة أو فرح أو استجابة دعوة. كرامة البليلة عبارة عن وجبة يتم إعدادها وتوزيعها للمحتاجين والمساكين، وارتبطت أعراف معينة بكرامة البليلة أهمها أن يتم طبخ البليلة في إناء أو قِدر مفتوح حيث يعتقد أن بوخ البليلة (البُخار) يصعد إلى السماء ويأخذ معه كل الشر والأمراض والبلاء، إضافة إلى الأدعية التي يتم ترديدها أثناء الطبخ والتوزيع، ومن الشائع أن دعوة الكرامة لا تُرد أو تُرفض وكل إنسان يصادف البليلة يجب أن يَحظى بنصيبٍ منها ولو القليل للتبرُّك، لذا أُطلق عليها اسم البركة، اعتقاداً منهم في أهميتها.
تظل رغبة البشر في التواصل مع عوالم أخرى غير مرئية أمر قديم ومشترك بين أغلب شعوب العالم، لكلٍّ منهم دلالات وأغراض.
صورة الغلاف: حولية الشيخ حمد النيل في أم درمان © يوسف الشيخ
للشيوخ وأصحاب الكرامات مكانة مهمة في المجتمع السوداني، خصوصاً في المفاهيم الصوفية، كمثل الشيوخ من يتبعون الطرق الإسلامية للعلاج والرقية الشرعية، وهي تعتمد القرآن والسنة كمرجع للعلاج. السحر والشعوذة هي ممارسات محرمة في الدين الإسلامي، إلا أن هذا لا يعني أنه ليس هناك شيوخ يستخدمون السحر لأغراض أخرى، يطلق عليهم مصطلح الشيوخ الروحانيين. عادة ترتبط زيارة مثل هذه المزارات بطلبات درامية الطبع مثل جلب الحبيب، فك العوارض أو التحكم بقرار شخص، وقد تكون طلبات أكثر شراً مثل جلب الحظ السيء على شخص آخر، أو ما يسمى "بكتابة" شخص. على خلاف الشيوخ "الفقرا" وأصحاب الكرامات، يعتمد الشيوخ الروحانيين على قدرتهم على تواصل مع كائنات من عوالم أخرى، حيث يقوم الساحر بعقد اتفاق مع "خادم السحر" (جني/مارد/عفريت) على أن يُتِمَّ أمر بالنيابة عنه بعد تبادل منافع مع الساحر، وهو نوع من التواصل يعتبر محفوفاً بالمخاطر.
الجِنّ مفردها جِنِّيّ أو "جِنِّيَّة" وهو من الفعل جَنَّ (بفتح الجيم وتشديد النون وفتحها) بمعنى استَتر وغطَّى، وهم وبحسب مختلف الأديان والأساطير العربية القديمة مخلوقات تعيش في ذات العالم، ولكن لا يمكن رؤيتها عادة، وهي خارقة للطبيعة التي تدركها حواسنا، لها عقول وفهم، ويقال إنما سميت بذلك لأنها تتوارى عن الأنظار ولا تُرى. أجمع المسلمون على إقرار وجودها.
في السودان يعتقد البعض أن الاعتقاد بالجن والسحر هي عادة قديمة ترجع لعصور ما قبل نشأة الحضارة الكوشية. وفي التاريخ الحديث، يَعتقد سُكَّان جزيرة سواكن التاريخية الأثرية أن الجن يسكنها منذ عهد النبي سليمان، ومنه جاء الاسم "سواكن"، ونُسجت حولها الكثير من القصص والأساطير، فمن منّا لم يسمع عن قطط سواكن؟. وللجن وقبائل الجن الكثير من النصوص والدراسات الدينية، كما له ولعالم الغيب الكثير من الممارسات التراثية في الإرث السوداني، قد اندثر الكثير منها وما زال يمارسها البعض، وإن كان أغلب الممارسين لا يعلمون علاقتها بهذا النوع من المعتقدات.
كمثال للممارسات في الحماية من الجن ما يَتَمثَّل في صنع التمائم والأحجبة -جمع حجاب- وربط الخرز على الأطفال وحتى الماشية، هي معتقدات بأنها تحمي من الجن والأرواح الشريرة وكذلك مفهوم العالم السفلي. وما زالت تُمارس في أماكن مختلفة من السودان، مثلها مثل الحريرة، وهي عبارة عن خيوط من الحرير الخالص يُضفَر وتتخلَّله خُرزة زرقاء تُربط في معصم اليد في العادات والتقاليد السودانية المرتبطة بالزواج، الجرتق على الخصوص، والطهور. قد لا تكون الحريرة بنفس وضوح التمائم إلا أنها أيضاً ترتبط بمفهوم الحماية من الأرواح الشريرة والعين والحَسد والجن، وتقوم بالإشراف على صنعها وربطها النساء الكبار في السن؛ حيث يكنّ قريبات الزوج أو الزوجة أو الخالات والعمات والجدات، وأيضاً أم أو جدة الطفل عند الطهور (الختان).
وكتبت أستاذة أماني بشير، مديرة متحف شيكان، عن عادات منطقة الأبيض وكردفان في ما يخص خاتم الجنيه، وهو عبارة عن قطعة معدنية مرسومٌ على الوجه الأول صورة رجل والوجه الآخر قيمة لعملة الجنيه. يُرتَدى الجنيه كقطعة حلي أصل صنعها من الذهب الخالص، لكن توجد الفضة ومعادن أخرى ترتديها النساء بصورة أساسية للزينة، وتتمثّل معتقدات لبس خاتم الجنيه في الحفظ من الأرواح الشريرة، ولذلك ترتديه العروس لمدة أربعين يوم بعد الزواج، ويعتقد في تلك الفترة أنها تكون في أبهى جمالها وأن الأرواح الشريرة تكثُر من حولها، وأيضاً ترتديه المرأة النَفَسَاء في فترة النفاس لذات المعتقد، أيضاً يرتديه العريس لمدة سبعة أيام من زواجه. من هذا المنطلق وُضع لبس خاتم الجنيه للحماية من الطاقات السلبية التي يمكن أن تضرّ الإنسان.
بينما الأحجبة والحريرة والجنيه كلها تمائم تعني الحماية وقطع التواصل مع العوالم الأخرى، إلا أن هناك ممارسات أخرى مهمتها التواصل مع الجن مباشرة، لطرح أسئلة أو غيرها، أشهرها "رمي الوَدِع" و"الزَّار/الظّار". رمي الودع هو نوع من أنواع قراءة الطالع، وتُرمى فيه قواقع أو صدف البحر يختار منها سبع صدفات متشابهة وبشكل معروف، تحرك معاً داخل الكف وهي مغلقة ثم تُلقى على الأرض، لتقوم قارئة الطالع بترجمة الرسالة الناتجة من وضعية الصدفات بحسب مدى قربها أو بعدها عن بعضها، أو إن كانت مقلوبة على ظهرها أو على وجهها، فما يستقر عليه "الودع" في كل مرة له قراءة خاصة ربما تكون مؤكِّدة للقراءة السابقة أو مختلفة عنها. و عادة يبحث السائل عن إجابات عن أشخاص آخرين ومعرفة أسباب مشاكلهم، وليس شرطاً أن تكون متعلقة بالمستقبل بل قد تكون متعلقة بالماضي أو المستقبل أو مزيج منهما. ويعتقد في مقدرة قارئة الودع من التواصل مع عالم آخر وترجمة تلك الرسائل عبر استخدام الصَدَف. وذلك بعكس حالة الزار/الظار أو ما يعرف بالريح الأحمر، حيث تكون الزائرة هي "الممسوسة" وفي حاجة لتقديم طقس للجن وتلبي الكثير من الرغبات لتصبح أفضل.
يُعتقد أن الزار يأتي من أصول إفريقية، انتقل من الحبشة إلى السودان ومصر وهو طقس استحضار أرواح الأسلاف والأسياد والشيوخ وتحقيق طلباتهم أو تقمص أرواحهم بغرض شفاء المرضى ممن تتلبسهم الجن. يرى الكثير من الناس أن الزار طقس علاجي، له الفضل في علاج كثير من الحالات النفسية الهستيرية، كما هو طريقة للنساء في التعامل مع ضغوط حياتهن. ويتم عبر تحقيق طلبات الأسياد، كتخصيص طعام وموسيقى وأغانٍ وعطور وبخور وملابس وغيرها لهذا الطقس، وتحضر الطقس الكثير من النساء اللاتي يلعبن أدواراً مختلفة؛ مثل شيخة الزار ولها مساعدات ونائبة تتولى مراقبة الحفل وضبطه، وحبوبة الكانون المسؤولة من الطعام وغيرهن. وهناك اختلاف في أنواع احتفالات الزار تسمى خيوط التي تقام مع اختلاف الطقوس، حسب نوع أو جنس الجن صاحب المس، كخيط الزرق أو السود، وتكون "المزيورات" في خيط الزرق من قبائل غرب إفريقيا، مثل الهوسا والفلاتة وجنوب السودان، ويكون طعامهم وموسيقاهم وملابسهم بحسب عاداتهم الأصلية. وبصورة مشابهة خيط الحبش وخيط الخواجات وغيرهم.
بعيداً عن عالم الجن والسحر يفضل المسلمون طلب الحاجة من الله سبحانه وتعالى من غير وسيط، والتبرك بالكرامة وهي الصدقة، أيضاً تُسمى البركة وهي ممارسة اجتماعية تؤديها المجتمعات بنية التقرب والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ورفع البلاء أو تخفيف المصائب أو الشكر على نعمة أو فرح أو استجابة دعوة. كرامة البليلة عبارة عن وجبة يتم إعدادها وتوزيعها للمحتاجين والمساكين، وارتبطت أعراف معينة بكرامة البليلة أهمها أن يتم طبخ البليلة في إناء أو قِدر مفتوح حيث يعتقد أن بوخ البليلة (البُخار) يصعد إلى السماء ويأخذ معه كل الشر والأمراض والبلاء، إضافة إلى الأدعية التي يتم ترديدها أثناء الطبخ والتوزيع، ومن الشائع أن دعوة الكرامة لا تُرد أو تُرفض وكل إنسان يصادف البليلة يجب أن يَحظى بنصيبٍ منها ولو القليل للتبرُّك، لذا أُطلق عليها اسم البركة، اعتقاداً منهم في أهميتها.
تظل رغبة البشر في التواصل مع عوالم أخرى غير مرئية أمر قديم ومشترك بين أغلب شعوب العالم، لكلٍّ منهم دلالات وأغراض.
صورة الغلاف: حولية الشيخ حمد النيل في أم درمان © يوسف الشيخ

للشيوخ وأصحاب الكرامات مكانة مهمة في المجتمع السوداني، خصوصاً في المفاهيم الصوفية، كمثل الشيوخ من يتبعون الطرق الإسلامية للعلاج والرقية الشرعية، وهي تعتمد القرآن والسنة كمرجع للعلاج. السحر والشعوذة هي ممارسات محرمة في الدين الإسلامي، إلا أن هذا لا يعني أنه ليس هناك شيوخ يستخدمون السحر لأغراض أخرى، يطلق عليهم مصطلح الشيوخ الروحانيين. عادة ترتبط زيارة مثل هذه المزارات بطلبات درامية الطبع مثل جلب الحبيب، فك العوارض أو التحكم بقرار شخص، وقد تكون طلبات أكثر شراً مثل جلب الحظ السيء على شخص آخر، أو ما يسمى "بكتابة" شخص. على خلاف الشيوخ "الفقرا" وأصحاب الكرامات، يعتمد الشيوخ الروحانيين على قدرتهم على تواصل مع كائنات من عوالم أخرى، حيث يقوم الساحر بعقد اتفاق مع "خادم السحر" (جني/مارد/عفريت) على أن يُتِمَّ أمر بالنيابة عنه بعد تبادل منافع مع الساحر، وهو نوع من التواصل يعتبر محفوفاً بالمخاطر.
الجِنّ مفردها جِنِّيّ أو "جِنِّيَّة" وهو من الفعل جَنَّ (بفتح الجيم وتشديد النون وفتحها) بمعنى استَتر وغطَّى، وهم وبحسب مختلف الأديان والأساطير العربية القديمة مخلوقات تعيش في ذات العالم، ولكن لا يمكن رؤيتها عادة، وهي خارقة للطبيعة التي تدركها حواسنا، لها عقول وفهم، ويقال إنما سميت بذلك لأنها تتوارى عن الأنظار ولا تُرى. أجمع المسلمون على إقرار وجودها.
في السودان يعتقد البعض أن الاعتقاد بالجن والسحر هي عادة قديمة ترجع لعصور ما قبل نشأة الحضارة الكوشية. وفي التاريخ الحديث، يَعتقد سُكَّان جزيرة سواكن التاريخية الأثرية أن الجن يسكنها منذ عهد النبي سليمان، ومنه جاء الاسم "سواكن"، ونُسجت حولها الكثير من القصص والأساطير، فمن منّا لم يسمع عن قطط سواكن؟. وللجن وقبائل الجن الكثير من النصوص والدراسات الدينية، كما له ولعالم الغيب الكثير من الممارسات التراثية في الإرث السوداني، قد اندثر الكثير منها وما زال يمارسها البعض، وإن كان أغلب الممارسين لا يعلمون علاقتها بهذا النوع من المعتقدات.
كمثال للممارسات في الحماية من الجن ما يَتَمثَّل في صنع التمائم والأحجبة -جمع حجاب- وربط الخرز على الأطفال وحتى الماشية، هي معتقدات بأنها تحمي من الجن والأرواح الشريرة وكذلك مفهوم العالم السفلي. وما زالت تُمارس في أماكن مختلفة من السودان، مثلها مثل الحريرة، وهي عبارة عن خيوط من الحرير الخالص يُضفَر وتتخلَّله خُرزة زرقاء تُربط في معصم اليد في العادات والتقاليد السودانية المرتبطة بالزواج، الجرتق على الخصوص، والطهور. قد لا تكون الحريرة بنفس وضوح التمائم إلا أنها أيضاً ترتبط بمفهوم الحماية من الأرواح الشريرة والعين والحَسد والجن، وتقوم بالإشراف على صنعها وربطها النساء الكبار في السن؛ حيث يكنّ قريبات الزوج أو الزوجة أو الخالات والعمات والجدات، وأيضاً أم أو جدة الطفل عند الطهور (الختان).
وكتبت أستاذة أماني بشير، مديرة متحف شيكان، عن عادات منطقة الأبيض وكردفان في ما يخص خاتم الجنيه، وهو عبارة عن قطعة معدنية مرسومٌ على الوجه الأول صورة رجل والوجه الآخر قيمة لعملة الجنيه. يُرتَدى الجنيه كقطعة حلي أصل صنعها من الذهب الخالص، لكن توجد الفضة ومعادن أخرى ترتديها النساء بصورة أساسية للزينة، وتتمثّل معتقدات لبس خاتم الجنيه في الحفظ من الأرواح الشريرة، ولذلك ترتديه العروس لمدة أربعين يوم بعد الزواج، ويعتقد في تلك الفترة أنها تكون في أبهى جمالها وأن الأرواح الشريرة تكثُر من حولها، وأيضاً ترتديه المرأة النَفَسَاء في فترة النفاس لذات المعتقد، أيضاً يرتديه العريس لمدة سبعة أيام من زواجه. من هذا المنطلق وُضع لبس خاتم الجنيه للحماية من الطاقات السلبية التي يمكن أن تضرّ الإنسان.
بينما الأحجبة والحريرة والجنيه كلها تمائم تعني الحماية وقطع التواصل مع العوالم الأخرى، إلا أن هناك ممارسات أخرى مهمتها التواصل مع الجن مباشرة، لطرح أسئلة أو غيرها، أشهرها "رمي الوَدِع" و"الزَّار/الظّار". رمي الودع هو نوع من أنواع قراءة الطالع، وتُرمى فيه قواقع أو صدف البحر يختار منها سبع صدفات متشابهة وبشكل معروف، تحرك معاً داخل الكف وهي مغلقة ثم تُلقى على الأرض، لتقوم قارئة الطالع بترجمة الرسالة الناتجة من وضعية الصدفات بحسب مدى قربها أو بعدها عن بعضها، أو إن كانت مقلوبة على ظهرها أو على وجهها، فما يستقر عليه "الودع" في كل مرة له قراءة خاصة ربما تكون مؤكِّدة للقراءة السابقة أو مختلفة عنها. و عادة يبحث السائل عن إجابات عن أشخاص آخرين ومعرفة أسباب مشاكلهم، وليس شرطاً أن تكون متعلقة بالمستقبل بل قد تكون متعلقة بالماضي أو المستقبل أو مزيج منهما. ويعتقد في مقدرة قارئة الودع من التواصل مع عالم آخر وترجمة تلك الرسائل عبر استخدام الصَدَف. وذلك بعكس حالة الزار/الظار أو ما يعرف بالريح الأحمر، حيث تكون الزائرة هي "الممسوسة" وفي حاجة لتقديم طقس للجن وتلبي الكثير من الرغبات لتصبح أفضل.
يُعتقد أن الزار يأتي من أصول إفريقية، انتقل من الحبشة إلى السودان ومصر وهو طقس استحضار أرواح الأسلاف والأسياد والشيوخ وتحقيق طلباتهم أو تقمص أرواحهم بغرض شفاء المرضى ممن تتلبسهم الجن. يرى الكثير من الناس أن الزار طقس علاجي، له الفضل في علاج كثير من الحالات النفسية الهستيرية، كما هو طريقة للنساء في التعامل مع ضغوط حياتهن. ويتم عبر تحقيق طلبات الأسياد، كتخصيص طعام وموسيقى وأغانٍ وعطور وبخور وملابس وغيرها لهذا الطقس، وتحضر الطقس الكثير من النساء اللاتي يلعبن أدواراً مختلفة؛ مثل شيخة الزار ولها مساعدات ونائبة تتولى مراقبة الحفل وضبطه، وحبوبة الكانون المسؤولة من الطعام وغيرهن. وهناك اختلاف في أنواع احتفالات الزار تسمى خيوط التي تقام مع اختلاف الطقوس، حسب نوع أو جنس الجن صاحب المس، كخيط الزرق أو السود، وتكون "المزيورات" في خيط الزرق من قبائل غرب إفريقيا، مثل الهوسا والفلاتة وجنوب السودان، ويكون طعامهم وموسيقاهم وملابسهم بحسب عاداتهم الأصلية. وبصورة مشابهة خيط الحبش وخيط الخواجات وغيرهم.
بعيداً عن عالم الجن والسحر يفضل المسلمون طلب الحاجة من الله سبحانه وتعالى من غير وسيط، والتبرك بالكرامة وهي الصدقة، أيضاً تُسمى البركة وهي ممارسة اجتماعية تؤديها المجتمعات بنية التقرب والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ورفع البلاء أو تخفيف المصائب أو الشكر على نعمة أو فرح أو استجابة دعوة. كرامة البليلة عبارة عن وجبة يتم إعدادها وتوزيعها للمحتاجين والمساكين، وارتبطت أعراف معينة بكرامة البليلة أهمها أن يتم طبخ البليلة في إناء أو قِدر مفتوح حيث يعتقد أن بوخ البليلة (البُخار) يصعد إلى السماء ويأخذ معه كل الشر والأمراض والبلاء، إضافة إلى الأدعية التي يتم ترديدها أثناء الطبخ والتوزيع، ومن الشائع أن دعوة الكرامة لا تُرد أو تُرفض وكل إنسان يصادف البليلة يجب أن يَحظى بنصيبٍ منها ولو القليل للتبرُّك، لذا أُطلق عليها اسم البركة، اعتقاداً منهم في أهميتها.
تظل رغبة البشر في التواصل مع عوالم أخرى غير مرئية أمر قديم ومشترك بين أغلب شعوب العالم، لكلٍّ منهم دلالات وأغراض.
صورة الغلاف: حولية الشيخ حمد النيل في أم درمان © يوسف الشيخ

بوق

بوق
بوق مركب يتكون من قرن ظَبْي مع جزء إضافي مصمم بالشمع. يأخذ الامتداد شكل أنبوب ضيق يتمدد في منتصف الطريق ليشكل وعاءًا بيضاويًا قبل تضييقه إلى أنبوب قصير. تم تزيين الوصلة بين القرن والشمع ببذور عين العفريت.
من تراث قبيلة النوبة
تاريخ الاستحواذ: ١٩٢٨
© أمناء المتحف البريطاني
بوق مركب يتكون من قرن ظَبْي مع جزء إضافي مصمم بالشمع. يأخذ الامتداد شكل أنبوب ضيق يتمدد في منتصف الطريق ليشكل وعاءًا بيضاويًا قبل تضييقه إلى أنبوب قصير. تم تزيين الوصلة بين القرن والشمع ببذور عين العفريت.
من تراث قبيلة النوبة
تاريخ الاستحواذ: ١٩٢٨
© أمناء المتحف البريطاني

بوق مركب يتكون من قرن ظَبْي مع جزء إضافي مصمم بالشمع. يأخذ الامتداد شكل أنبوب ضيق يتمدد في منتصف الطريق ليشكل وعاءًا بيضاويًا قبل تضييقه إلى أنبوب قصير. تم تزيين الوصلة بين القرن والشمع ببذور عين العفريت.
من تراث قبيلة النوبة
تاريخ الاستحواذ: ١٩٢٨
© أمناء المتحف البريطاني

ثورة الفن

ثورة الفن
عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث ومقابلات: مي أبو صالح، ومحمد عوض مصطفى.
تقديم: عزة محمد وزينب عثمان.
تحرير: محمد عوض مصطفى، داليا عبد الإله، وحسام هلالي مع مشاركة كل من زينب عثمان وعزة محمد.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
تم التسجيل باستديو Rift Digital Lab
تصميم بوستر: عزة محمد
يمكن الاطلاع على كل اللوحات المذكورة في الحلقة في اخر الصفحة
تشكُّل الذاكرة الفنية السودانية
يستعرض هذا المقال المساحات الفنية السودانية بأشكالها المتعدِّدة وإسقاطاتها على مساحاتنا الذهنية فيما يتعلق بماهية، أنواع ومعاني الفنون. حيث يتطرَّق المقال إلى غياب المساحة الثابتة والشاملة لمختلف أنواع الفن السوداني، وأثرها على ذاكرتنا الجماعية المحلية. فهو استكشاف مِساحي لمكان الفن الفعلي وموقعه المجازي في سوداننا الماضي والحاضر.
الذاكرة كمتحف متنقِّل: استكشاف الذاكرة الفنية المحلية
غياب عامل التوثيق والمصادر المتاحة عن تاريخ الفن السوداني يجعل من سيرته سرداً يتردَّد خلاله على المسامع أسماء وسِيَر فنانين كثر، بينما تحتجب أعمالهم عن البصر. فغالباً ما تتَّسِم مهمّة التعرُّف على تاريخ الفن السوداني الحديث والمعاصر بالمجهودات البحثية الشخصية، وتسبق عملية قراءة النصوص والآراء مشاهدة الأعمال الفنية على أرض الواقع، وبرغم تعدُّد أسباب هذه المسألة، إلا أنه يستوجب التطرق على أحد أهم التَبِعات الناتجة من هذا الغياب.
إن للفجوة القائمة بين عملية ممارسة الفنون وبين إمكانية رؤية الأعمال الفنية على أرض الواقع؛ انطباعاً جذرياً وأثراً على ماهية الفن ومدى ارتباطِه بالمجتمع المحلي كليًّا. حيث يؤثِّر غياب العلاقة المساحية والاجتماعية العامّة والدائمة بين الفنَّان والمجتمع التي تمكِّنُه من استعراض فنِّه وتبادُل الآراء والأفكار والتحليلات، مؤدِّياً بذلك لضعف ارتباط المجتمع بالفن وإمكانية تغَلْغُلِه في مختَلَف مناحي الحياة اليومية.
تشكَّلَت ساحة الماضي الأدبية من عدة نُقَّاد ومفكِّرين أثْرَوا نطاق الحوار والنقد الفني، وانتقلَتْ أحاديثهم من النطاق الشفهي إلى النطاق الكتابي عندما صدَرَت عدة مطبوعات ومؤلفات ثقافية منذ منتصف القرن الماضي، تمحورت مواضيعها حول النقد الأدبي والثقافي والفني، والتحاوُر حول مختَلَف النقاشات، وإجراء لقاءات مع الفنانين تُبْقي الوصل ما بين القاريء والفنَّان (مجلة الخرطوم ومجلة الثقافة السودانية كمثال). مكوِّنين بذلك مساحة فكرية متنقِّلة وعابرة للحدود المكانية، متخلِّلَةً أذهان العديد من قُرّائِها وحاضرة كسجل موثِّق لهذه الأحاديث. خفَتَتْ أصوات هذا الحوار بعد ذلك لعدة أسباب سياسية رقابية واقتصادية، مما أدى إلى تضاؤل المساحة التحريرية الحرة وتلاشيها إلى حين آخر.

شَهِدَتْ الساحة الفنية في العقود الأخيرة تغيُّرات عدَّة فيما يخص أنواع الفنون والمفاهيم التي تحتويها الأعمال المنتجة، خاصة مع ظهور المصادر المعرفية الإلكترونية التي بدورها أتاحت للفنان الاطلاع على كمّ معرفي هائل ومفتوح المصدر، مما أَحدَثَ ثورةً غيَّرت توجُّه العديد، وألقَتْ بظلالها على نظرة الشارع العام للفن وماهيته وأهميته. إلا أن حق الممارسة ما زال محكوماً عند البعض ما بين الاعتقاد بأنَّ إنتاج العمل الفنِّي يحتاج إلى وجود هبة إلهية تستحضر نفسها وتكتفي ذاتياً، وهي التي تُوحِي للفنان وتمدُّه بكل القدرات الفكرية والتطبيقية، وما بين حصر مفهوم الممارسة الفنية على نموذج نخبوي ذي نطاق محدود ومستند على مفاهيم منفصلة عن الثقافة القومية والمحلية.
تقف الساحة الفنية الحالية عند مفترق طُرُق فيما يتعلَّق بالفنون الحرفية والمِهَن اليدوية التقليدية كصناعة الفخَّار والنجارة والحدادة. فما بين اختزالها ضمن الفنون الجميلة وإضافتها عند التعريف بالفنون التشكيلية أو اعتبارها دون مكانتها الفنية المستحقة، تكمن خطورة هذه التسميات المحددة كونها سبباً في عرقلة وتعطيل عملية الابتكار وازدهار الفنون بأنواعها واختلاق وسائل وسبل ورموز فنية جديدة تتعدَّى المسمّيات والمصطلحات ”النقدية“ المعروفة.
مفاوضات الساسة في ساحة المعرض
لسياسات الدولة تاريخ ممتد من التدخُّلات في مسار الفنون، تارةً في مظهر داعم لتسيير دعاياتها ومناهجها، وتارةً أخرى لحجب وقمع الجهود الفنية كمحاولات لكبت الرأي العام وحركة الشارع.
تم استغلال ساحة المعرض الفني من قِبَل الدولة الاستعمارية كأداة للدعاية السياسية، وقد استمرت سُلطات ما بعد الاستقلال تبنِّي هذا النهج، حيث قامت المنظَّمات السياسية، الحزب الشيوعي السوداني كمثال، باستخدام المعارض الفنية كمدخل ومحفز للأفراد للانضمام إلى العمل السياسي.
خلال الأعوام المستقرة سياسياً (١٩٦٩-٨٥) تمكَّنَ الرئيس النميري من إقامة مؤسسات ثقافية معزِّزة لفكرة المعرض كمساحة تمثيل استثنائية. تلَتْها تجارب قوى سياسية كحزب الأمة الذي بدوره استخدم المعرض الفني لعكس صورة حديثة وجاذِبة لمشروعه السياسي. تؤثِّر المعارض الفنية ذات التوجه السياسي بالأنشطة السياسية والفنية على حدٍ سواء، فيتقدم المزيد من الفنانين بفرض توجّههم السياسي على أعمالهم، في محاولة للتماشي مع الوضع الراهن،مما يغيِّر من مسارهم واتجاههم الفني.[1]
على الرغم من تبدُّل الأفراد على كرسي الحكم وتغيُّر الأنظمة الحاكمة، ظلَّت الرقابة السياسية ملقية بثقلها على كاهل الفنان، تَحُولبينه وبين إظهار تعبيره الأصدق لنفسه وللعامة. وتُعَد عملية الرقابة الفكرية موروث استعماري تبَنَّتْهُ الحكومات التي تلت الاستقلال بمنهج شمولي يمر بدرجات متفاوتة من المراقبة، والتي قامت بدورها بعزل وحجب أفكار الفنان التي لا تتماشى مع أجندة الدولة السياسية والفكرية عن الجمهور.


ومن بين الأمثلة العدّة، ما تزال تجربة الفنان إبراهيم الصلحي حدثاً يستوجب علينا ذكره، فبالرغم من إسهاماته في تشكيل مدرسة فكرية والعمل كمدرِّس في الكلية وتولِّي مناصب ذات سلطة إلا أنه لم ينجُ من زنزانات جعفر النميري السياسية. فلم تشفع له إدارة مصلحة الثقافة بوزارة الإعلام ولا إدارة المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون من فترة حبس مدتها ستة أشهر ويومان قضاها في سجن كوبر، بالإضافة إلى إقامة جبرية تلت خروجه من السجن بسبب مزاعم لادليل لها عن مشاركته في تدبير انقلاب على الحكومة الحالية آنذاك عام ١٩٧٥. مؤثِّرة تباعاً على أسلوبه الفني ومساره العملي وعاملاً أساسياً في اتخاذ قراره بالهجرة.[1]
أما كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، فلم يسْلَم أفرادها من مضايقات الأنظمة السابقة التي تنوَّعت من معاداة لفصل تام من الكلية. نقلاً عن الفنان عبد الرحمن عبد الله الملقب ب"شنقل"، وهو فنان ومدرِّس تشكيلي في معهد الفنون الجميلة، تطرَّق عضو اتحاد التشكيليين السودانيين عبد الرحمن إلى تجربته التعليمية التي حرص من خلالها على إلمام طلاب النحت بالتاريخ السوداني ليكون قاعدة لهم ليتمكنوا من إنتاج فن معاصر أصيل بالرغم من الفجوات غير الموثَّقة التي تتخلَّل تاريخنا بداية بالممالك المسيحية وانتهاءً بدولة سِنّار. حيث كانت ممارسة النحت بالتحديد مهمة لارتباط النحت بالحضارة المروية فكان جزءاً أساسياً من ثقافتهم، واندثرت ثقافة النحت عند دخول الإسلام لاعتبارها ممارسة لا تخدم العقيدة الإسلامية.
يحكيأستاذ عبد الرحمن عن جهودهم الأكاديمية والشخصية لإبقاء فن النحت على قيد الحياة بالرغم من عداءات الأنظمة الحاكمة آنذاك لفنون النحت والتي لا تعكس بالضرورة رؤى وآراء الشعب، مسترجِعاً ذكرى إحدى الجداريات التي عكفوا عليها والتي لفَتَتْ انتباه الشارع العام بشكل إيجابي، حيث توقفت السيارات وقاد الفضول الركاب للنزول ومشاهدة تثبيت جدارية "بزيانوس" بقرب صينية الأزهري بأم درمان، ويستدل عبد الرحمن بهذه الحادثة عن تلَهُّف الجمهور وتطلُّعِه للفن وتواجده في الساحة العامة بكل صُوَرِه سواء كانت نحتيّة أم تشكيلية، هذا التطلع والتلَهُّف الذي لم تنجح المؤسسات ورقابتها في إخماده.
هذه الرقابة شبه المطلقة للأفراد والمؤسَّسَات والكليات الفنية لا تعني نجاح الأنظمة بفرض أيدولوجياتها على الفنان، بل يرجِّح أيضاً أ.عبد الرحمن دور المعاداة الحكومية في صقل إيمان طلاب الكلية بقضيتهم وإصرارهم على الإنتاج الفني رغم تدهور الإمكانات الأكاديمية وضغط الرقابة وتيارات الفكر المضادة لأُسُسِهِم الفنية.

ذوبان الثلج والفن المغاير
من الجليّ أن فنون الرسم والتلوين هما الأحبّ لذائقة الجمهور السوداني، وإن ظلَّت لوحات الفن التشكيلي تغمر ساحة الفن المحلي كالوسيلة الفنية الأكثر شيوعاً، يحتلّ عامل جمالية العمل البصرية الأولوية للكثير من حيث الماهية والاستحقاقية لاعتبار العمل الفني في حد ذاته. وعلى الرغم من ذلك، يحفل تاريخ الفنون السودانية بالسُبُل المغايرة التي ابتكرها بعض الفنانين واستخدموها كوسيلة للتعبير والتعبئة والرفض.
تُعَد تجربة الفنان محمد شداد هي الأمثل للتحليل فيما يتعلّق بتفاعل واستنكار الجمهور والمحيط الفني للأعمال والمفاهيم الغير التقليدية. "معرض الثلج" عبارة ثبَتَتْ في ذاكرة المهتمِّين بالفن في السودان كعلامة للفن التركيبي المبكّر الذي اعتمده الفنان محمد شداد في منتصف السبعينيات مستعرِضاً قِطَع من الثلج مُحاطة بأكياس بلاستيكية ملأى بالمياه الملوّنة. ومثل هذا العمل الفني استكشاف مادِّي لسياقات المدرسة الكريستالية الفكرية ومفاهيمها كالشفافية والازدواجية.[1] ويمكن اعتبار هذا المعرض من ضمن الأحداث المضادة للأنظمة والمؤسسات بأنواعها، وهو عكس ما كانت تنظِّمُه الساحة الفنية آنذاك من معارض فنية مكرَّسة للمنظمات الدبلوماسية.
"معرض الثلج" يمثِّل، في مسار محمد شداد الفني، تتويجاً لسلسلة من الحركات الجمالية التي ابتدرها محمد شداد وهو طالب في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية. مبادرات محمد شداد التي يجمعها سعي منهجي متصل، فحواه النقد السياسي والأخلاقي من خلال الحركة الجمالية. فعندما كان طالباً في سنته الأولى بكلية الفنون بالخرطوم، أقام معرضه الشخصي الأول "معرض الإنسان الجالس" ومنذ الساعة الأولى تزاحَمَ الطلاب والأساتذة والعاملين بالمعهد وتجمهر طلاب من الأقسام الهندسية والتجارية داخل الصالة وعلى النوافذ لمشاهدة هذا الحدث العجيب. في استديو عُرِف باستديو ”تاريخ“ بالكلية، و فيعمق الاستديو كانت هناك منصة عليها كرسي، أجلس عليه محمد شداد "جيمس"،موديل قسم الرسم آنذاك عاري الصدر، وفوق رأسه بعدة سنتيمترات تدلت قطعة لحم كبيرة،كما كانت هناك أرغفة طازجة معروضة في الصالة. على حيطان الصالة عُلِّقَت لوحات زيتية و مائيات و رسومات بالقلم لمحمد شداد، وعلى الأرض ثلاثة أو أربعة لوحات زيتية صغيرة استعارها محمد شداد من بعض الطلاب منهم لوحات لدار السلام عبدالرحيم. بالقُرب من اللوحات كانت هناك بطاقة مكتوب عليها بخط واضح "ثمن اللوحة خمسة قُبلات". طبعاً لم يجرؤ أحد على دفع الثمن الفادح لشراء المعروضات، لكن بؤرة الاستفزاز تركَّزَت على حديث محمد شداد الذي انطلق يخطب في الجمع مبشِّراً بـ"تحرير الغرائز" كخطوة ضرورية لتحرير الإنسان، و خلاص الإنسانية إنما يكون في التخلُّص من كل عقابيل الكبت المتوارثة عبر القرون بفعل الأيديولوجيات والنصوص المقدَّسة والتقاليد البالية التي تغرِّب الإنسان عن جوهره"ككائن مجبول على الهروب من الألم نحو اللذة[2]".
استفزَّ هذا الحدث مجتمع الكلية الصغير حتى أنّ جماعة من الطلاب عقدوا محكمة رمزية لمحاكمة محمد شداد فأدانوه لنشوزه وحكموا عليه بعقوبة رمزية مقدارهاعشرة جلدات.[3]


ومن الأمثلة الأخرى التي انتفضت على تعريفات ومسمّيات الفن السوداني هو بيان المدرسة الكريستالية، فكما كانت بداية المدرسة الخرطومية[1] هي نتاجاً لغياب اللوحة التشكيلية، أشعلت شرارة المدرسة الكريستالية لوحة كبيرة بطول ٣ أمتار ونصف، رسَمَتْها الفنانة كمالا إسحق، تُصوِّر ١٥ كرة كريستالية، فيها تدرُّجات لونيّة، بعنوان "ندوة في مكعبات زجاجية" تمثِّل ما يشبه علاقة الحياة بين الإنسان والنبات.
"إنَّ الحقيقة نسبية وإطلاق الطبيعة رهين بالإنسان كأطروحة محدودة والصراع بين الإنسان والطبيعة يسير دائماً لإيجاد الصِّيَغ والمقولات التى تجعل العكس أي الإنسان المطلق تجاه المؤسسات والصيغ الطبيعية المحدودة والتي هي من صنع الإنسان نفسه.فإذا كانت الجدلية فى الفكر الكلاسيكي الحديث يُعبَّر عنها بـ( ليست هنالك ظاهرة معزولة )، ( وأن معرفة الإنسان بالمادة هى معرفته بأشكال حركة المادة ) .. فإننا وفق فكرة الكريستالة لا نتوانى ونقول أنَّ الجدلية بديل عن الطبيعة نفسها"[2]
نُشِر البيان الكريستالي في الواحد والعشرين من يناير عام ١٩٧٦، مؤجِّجاً النقاشات بِلُغَته الفلسفية والنقدية فيما يخص أخذ التراث بعين الاعتبار الذي يتعلق بالفنون.[3] فأتى بمحاولة للتمييز عن مسار مدرسة الخرطوم كما يصفه د.صلاح محمد حسن، الذي يشير إلى أن جُلّ اهتمام الكريستاليين يركِّز في العمل على وضع فكرتيْ "التحوُّل" و"الصيرورة" في مقدمة اهتمام الفن التشكيلي كقوى جوهرية بدلاً عن سيادة "السودانوية" التي تركِّز على أيديولوجيا "العودة إلى الأصل"، والتي تفرَّدَت بها مدرسة الخرطوم على مستوى الأسلوب والجماليات.

انتقالاً من العام ١٩٧٦ إلى العام ٢٠١٩، حيث أدى اعتصام المتظاهرين السِلمِيِّين المطالِبين بالعدالة في ساحة القيادة العامة بالخرطوم إلى أكبر أُطروحة فنية شَهِدَها الشعب السوداني منذ عقود.
التقط العديد من الفنانين أدواتهم متّجهين إلى ساحة القيادة كمركزهم الفني الجديد، واكتظّت المساحة ذات العشرة كيلومترات مربعة بمعارض تاريخية وثقافية وأعمال فنية مختلفة، كَسَرَت الساحة الحواجز التي عرقلت أو حالت بين الفنان والجمهور وبين نظرية الفن وممارسته، واستبدلتها بمباشرة العملية الفنية دون الاعتماد على طُرُق العرض التقليدية والشائعة، ممثِّلةً بذلك معْبَراً مهماً ومُرَحِّباً تَصُب فيه جميع أنواع الفنون التعبيرية والمفاهيمية.
تشكَّلَت ساحة القيادة من أكثر المجموعات تنوُّعاً من أعراق المجتمع السوداني، لذا كان هنالك تنوُّع فني. وقد تجلّى هذا التنوُّع على أنواع الفنون الجميلة والاستعراضية والتنصيبية. فانعكس كسر القيود التعبيرية على التدفُّق الإبداعي، وعلى تقبُّل وانفتاح الجمهور على جميع أنواع الأعمال المعروضة.
أدَّى ذلك الحدث إلى تحوُّل مساحي كبير في الساحة الفنية السودانية، وظهور الشكل الجديد لساحة القيادة كمعمل فني مكون من شتى آراء ورؤى الشعب. فانتعشت بذلك الجدارية السودانية واحتوت على شعارات ومطالب سياسية عن مفهوم الأعمال الفنية، أمثَلُها جدارية المطالبة بالقصاص لأفراد النظام السابق التي تتضمن قائمة بأسمائهم وجدارية الفنانة آلاء ساتر المتمحوِرة حول دور النساء في قيادة الثورة وأهمية تمركزهم لإبقاء شعلة المقاومة متّقِدة.
تتجلّى قوة وتأثير الفنون التي احتضَنَتْها ساحة القيادة في انصهارها داخل ذاكرة المواطن السوداني وعقله الباطن، مفسِحةً المجال لتكوُّن فضاءٍ فنيٍ جديد في الذاكرة الجماعية. ورغم قيام المليشيات العسكرية بإتلاف الأعمال الفنية ومسح معظم الجداريات، إلا أن قدرة التوثيق البصري ومحاوطة الأعمال الفنية لمنطقة الاعتصام تفوق قدرة الحكومات على طمس الحركة الفنية الثورية ومحوها من العقل الباطن وذاكرة الشعوب.

ديمومة المساحة الفنية وأثرها التراكمي
يظلّ الهدف المنشود هو نقل روح ساحة اعتصام القيادة وجوهرها إلى مساحات فنية شاملة لجميع أطياف المجتمع وتعزم على إتاحة جميع المصادر الثقافية والمعرفية للعامة، بهدف هدم العوائق السياسية والمجتمعية الماثلة بين الفرد والمجتمع، ومحاربة النظم النخبوية لإنتاج واستعراض الفنون.
ولكن تظل أغلب التحديات التي تواجه إنشاء متحف أو صرح جديد هي الموارد المطلوبة لوجود صرح ثقافي شامل، إن كانت مادية كتكاليف الإنشاء والمحافظة على البنيان ودفع النفقات الوظيفية، أم كانت موارد معرفية كالممارسة النظرية وتحليل وتفكيك ماهية وتاريخ الفن والأعمال الفنية الموجودة، وتقييم المعارض وإقامة البرامج الفنية العامة التي تشمل مواضيعها مختَلَف محاور التاريخ الفني والثقافي واهتمامات الزائر السوداني.
يجدر بالذكر هنا أن تاريخ المعارض والمساحة الفنية في السودان يزخر بالكثير من المساحات المستقلّة والمعارض التجارية التي تحتضن أعمال مفاهيمية متعددة. ورغم ذلك، يظل غياب الصرح الفني الدائم على أرض الواقع مشكِّلاً معضلة بصرية وثقافية للمُشاهد السوداني الذي ظل يسمع عن أخبار نيْل عدد من الفنانين الجوائز من دون إتاحة الفرصة للاطِّلاع على أعمالهم. مما جعل هذا الأمر من العالم الافتراضي ساحة للعرض والبحث، و تمكَّن العديد بمجهودات فردية مشاركة معلوماتهم ومصادرهم الثقافية، ولكن تظلّ الحاجة الملحَّة إلى وجود متحف فنِّي يشمل الأعمال المختلفة التي ساهمت في تشكيل الحركة الفنية السودانية، من الحرص على تبيين العوامل السياسية والاقتصادية والعرقية التي أثّرت على مسيرة الفن، وإظهار الفنون التي انعكس تأثيرها على تلك العوامل.
ومن الضروري الاطّلاع على تجارب الدول الأفريقية المجاورة،فقد مرّت بعضها بعوامل مختلفة والتي أضحت عائقاً بينها وبين الجمهور، فتكرر مشهد عدد الزيارات القليلة بالرغم من محاولات المتاحف بإشراك الجمهور المحلي من خلال برامج عامة أو معارض فنية عديدة، إلا أنها لم تفلح في جذب الجمهور المحلي،والذي يشير إلى أن المتحف يُنظَر إليه باعتباره ظاهرة نُخبوية.[1] مما يقودنا إلى التساؤل عن ماهية وكيفية عملية انتقاء الفنانين والمسؤولين وعملية اختيار الأعمال الفنية بشكل يتيح للكل التواصل والتجاوب معها.
تظل من أهم المسائل الأساسية الشائكة والأكثر تعقيداً هي ماهية تحديد أو تعريف الفن (الحديث) في سياق سوداني محلي، ومن يحدِّد ويعرِّف هذا الإطار. وكيف لهذا الصرح أن ينجو من تاريخ المتاحف الاستعماري والبصمة الغربية التي طغت على مفهوم التقييم والاستعراض الفني.
ومن الجوانب الأخرى التي تعنى بالذاكرة الفنية الجماعية، هو تغلغل الفنون وممارساتها في مختَلَف السياقات الفعلية والفكرية لتكون جزءاً لا يتجزأ من التجربة الحياتية اليومية. تنوعت وتوسعت عملية الاطّلاع والتفاعل مع الأعمال الفنية، وتجاوزت مساحة المعرض التقليدية لتشمل جميع المساحات العامة. كل هذا سمح لإتاحة الفن لجميع أطياف الشعب، مما سيؤثر بدوره على مساحة الفن الذهنية في ذاكرة الجماعة. تُعَدّ المساهمة الجماعية المستمرّة على نحو دائم من الخطوات الأساسية المساهِمة في إثراء وتطوُّر المساحة الثقافية الحالية،داعمةً لتفاعل المجتمع مع الفنانين والمهتمين بالفنون وممكِّنة للتحصُّل على السُبُل المعرفية الثقافية، وسينعكس أثر تراكمية هذه المجهودات إيجاباً على الجوانب المفاهيمية والمادية للفن السوداني.
تُعتَبَر فكرة إنشاء متحف دائم للفنون معقَّدة بعض الشئ لما تحتويه من أصداء استعمارية، ولكن تظل الغاية هي ديمومة المساحة، بغضّ النظر عن الشكل والمسمى التي تتخذه. ظلت الغاية هي نفسها، وهي توفُّر جميع الأعمال الفنية بمختَلَف مفرداتها وتجلياتها، للعامة. مشكِّلةً بذلك منْفَذَاً لما سيحيكه المستقبل من فن، والحيوات المنبثقة من جراء هذا الفعل الضروري.
اللوحات المذكورة في الحلقة









تصميم البوستر: عزة محمد
عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث ومقابلات: مي أبو صالح، ومحمد عوض مصطفى.
تقديم: عزة محمد وزينب عثمان.
تحرير: محمد عوض مصطفى، داليا عبد الإله، وحسام هلالي مع مشاركة كل من زينب عثمان وعزة محمد.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
تم التسجيل باستديو Rift Digital Lab
تصميم بوستر: عزة محمد
يمكن الاطلاع على كل اللوحات المذكورة في الحلقة في اخر الصفحة
تشكُّل الذاكرة الفنية السودانية
يستعرض هذا المقال المساحات الفنية السودانية بأشكالها المتعدِّدة وإسقاطاتها على مساحاتنا الذهنية فيما يتعلق بماهية، أنواع ومعاني الفنون. حيث يتطرَّق المقال إلى غياب المساحة الثابتة والشاملة لمختلف أنواع الفن السوداني، وأثرها على ذاكرتنا الجماعية المحلية. فهو استكشاف مِساحي لمكان الفن الفعلي وموقعه المجازي في سوداننا الماضي والحاضر.
الذاكرة كمتحف متنقِّل: استكشاف الذاكرة الفنية المحلية
غياب عامل التوثيق والمصادر المتاحة عن تاريخ الفن السوداني يجعل من سيرته سرداً يتردَّد خلاله على المسامع أسماء وسِيَر فنانين كثر، بينما تحتجب أعمالهم عن البصر. فغالباً ما تتَّسِم مهمّة التعرُّف على تاريخ الفن السوداني الحديث والمعاصر بالمجهودات البحثية الشخصية، وتسبق عملية قراءة النصوص والآراء مشاهدة الأعمال الفنية على أرض الواقع، وبرغم تعدُّد أسباب هذه المسألة، إلا أنه يستوجب التطرق على أحد أهم التَبِعات الناتجة من هذا الغياب.
إن للفجوة القائمة بين عملية ممارسة الفنون وبين إمكانية رؤية الأعمال الفنية على أرض الواقع؛ انطباعاً جذرياً وأثراً على ماهية الفن ومدى ارتباطِه بالمجتمع المحلي كليًّا. حيث يؤثِّر غياب العلاقة المساحية والاجتماعية العامّة والدائمة بين الفنَّان والمجتمع التي تمكِّنُه من استعراض فنِّه وتبادُل الآراء والأفكار والتحليلات، مؤدِّياً بذلك لضعف ارتباط المجتمع بالفن وإمكانية تغَلْغُلِه في مختَلَف مناحي الحياة اليومية.
تشكَّلَت ساحة الماضي الأدبية من عدة نُقَّاد ومفكِّرين أثْرَوا نطاق الحوار والنقد الفني، وانتقلَتْ أحاديثهم من النطاق الشفهي إلى النطاق الكتابي عندما صدَرَت عدة مطبوعات ومؤلفات ثقافية منذ منتصف القرن الماضي، تمحورت مواضيعها حول النقد الأدبي والثقافي والفني، والتحاوُر حول مختَلَف النقاشات، وإجراء لقاءات مع الفنانين تُبْقي الوصل ما بين القاريء والفنَّان (مجلة الخرطوم ومجلة الثقافة السودانية كمثال). مكوِّنين بذلك مساحة فكرية متنقِّلة وعابرة للحدود المكانية، متخلِّلَةً أذهان العديد من قُرّائِها وحاضرة كسجل موثِّق لهذه الأحاديث. خفَتَتْ أصوات هذا الحوار بعد ذلك لعدة أسباب سياسية رقابية واقتصادية، مما أدى إلى تضاؤل المساحة التحريرية الحرة وتلاشيها إلى حين آخر.

شَهِدَتْ الساحة الفنية في العقود الأخيرة تغيُّرات عدَّة فيما يخص أنواع الفنون والمفاهيم التي تحتويها الأعمال المنتجة، خاصة مع ظهور المصادر المعرفية الإلكترونية التي بدورها أتاحت للفنان الاطلاع على كمّ معرفي هائل ومفتوح المصدر، مما أَحدَثَ ثورةً غيَّرت توجُّه العديد، وألقَتْ بظلالها على نظرة الشارع العام للفن وماهيته وأهميته. إلا أن حق الممارسة ما زال محكوماً عند البعض ما بين الاعتقاد بأنَّ إنتاج العمل الفنِّي يحتاج إلى وجود هبة إلهية تستحضر نفسها وتكتفي ذاتياً، وهي التي تُوحِي للفنان وتمدُّه بكل القدرات الفكرية والتطبيقية، وما بين حصر مفهوم الممارسة الفنية على نموذج نخبوي ذي نطاق محدود ومستند على مفاهيم منفصلة عن الثقافة القومية والمحلية.
تقف الساحة الفنية الحالية عند مفترق طُرُق فيما يتعلَّق بالفنون الحرفية والمِهَن اليدوية التقليدية كصناعة الفخَّار والنجارة والحدادة. فما بين اختزالها ضمن الفنون الجميلة وإضافتها عند التعريف بالفنون التشكيلية أو اعتبارها دون مكانتها الفنية المستحقة، تكمن خطورة هذه التسميات المحددة كونها سبباً في عرقلة وتعطيل عملية الابتكار وازدهار الفنون بأنواعها واختلاق وسائل وسبل ورموز فنية جديدة تتعدَّى المسمّيات والمصطلحات ”النقدية“ المعروفة.
مفاوضات الساسة في ساحة المعرض
لسياسات الدولة تاريخ ممتد من التدخُّلات في مسار الفنون، تارةً في مظهر داعم لتسيير دعاياتها ومناهجها، وتارةً أخرى لحجب وقمع الجهود الفنية كمحاولات لكبت الرأي العام وحركة الشارع.
تم استغلال ساحة المعرض الفني من قِبَل الدولة الاستعمارية كأداة للدعاية السياسية، وقد استمرت سُلطات ما بعد الاستقلال تبنِّي هذا النهج، حيث قامت المنظَّمات السياسية، الحزب الشيوعي السوداني كمثال، باستخدام المعارض الفنية كمدخل ومحفز للأفراد للانضمام إلى العمل السياسي.
خلال الأعوام المستقرة سياسياً (١٩٦٩-٨٥) تمكَّنَ الرئيس النميري من إقامة مؤسسات ثقافية معزِّزة لفكرة المعرض كمساحة تمثيل استثنائية. تلَتْها تجارب قوى سياسية كحزب الأمة الذي بدوره استخدم المعرض الفني لعكس صورة حديثة وجاذِبة لمشروعه السياسي. تؤثِّر المعارض الفنية ذات التوجه السياسي بالأنشطة السياسية والفنية على حدٍ سواء، فيتقدم المزيد من الفنانين بفرض توجّههم السياسي على أعمالهم، في محاولة للتماشي مع الوضع الراهن،مما يغيِّر من مسارهم واتجاههم الفني.[1]
على الرغم من تبدُّل الأفراد على كرسي الحكم وتغيُّر الأنظمة الحاكمة، ظلَّت الرقابة السياسية ملقية بثقلها على كاهل الفنان، تَحُولبينه وبين إظهار تعبيره الأصدق لنفسه وللعامة. وتُعَد عملية الرقابة الفكرية موروث استعماري تبَنَّتْهُ الحكومات التي تلت الاستقلال بمنهج شمولي يمر بدرجات متفاوتة من المراقبة، والتي قامت بدورها بعزل وحجب أفكار الفنان التي لا تتماشى مع أجندة الدولة السياسية والفكرية عن الجمهور.


ومن بين الأمثلة العدّة، ما تزال تجربة الفنان إبراهيم الصلحي حدثاً يستوجب علينا ذكره، فبالرغم من إسهاماته في تشكيل مدرسة فكرية والعمل كمدرِّس في الكلية وتولِّي مناصب ذات سلطة إلا أنه لم ينجُ من زنزانات جعفر النميري السياسية. فلم تشفع له إدارة مصلحة الثقافة بوزارة الإعلام ولا إدارة المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون من فترة حبس مدتها ستة أشهر ويومان قضاها في سجن كوبر، بالإضافة إلى إقامة جبرية تلت خروجه من السجن بسبب مزاعم لادليل لها عن مشاركته في تدبير انقلاب على الحكومة الحالية آنذاك عام ١٩٧٥. مؤثِّرة تباعاً على أسلوبه الفني ومساره العملي وعاملاً أساسياً في اتخاذ قراره بالهجرة.[1]
أما كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، فلم يسْلَم أفرادها من مضايقات الأنظمة السابقة التي تنوَّعت من معاداة لفصل تام من الكلية. نقلاً عن الفنان عبد الرحمن عبد الله الملقب ب"شنقل"، وهو فنان ومدرِّس تشكيلي في معهد الفنون الجميلة، تطرَّق عضو اتحاد التشكيليين السودانيين عبد الرحمن إلى تجربته التعليمية التي حرص من خلالها على إلمام طلاب النحت بالتاريخ السوداني ليكون قاعدة لهم ليتمكنوا من إنتاج فن معاصر أصيل بالرغم من الفجوات غير الموثَّقة التي تتخلَّل تاريخنا بداية بالممالك المسيحية وانتهاءً بدولة سِنّار. حيث كانت ممارسة النحت بالتحديد مهمة لارتباط النحت بالحضارة المروية فكان جزءاً أساسياً من ثقافتهم، واندثرت ثقافة النحت عند دخول الإسلام لاعتبارها ممارسة لا تخدم العقيدة الإسلامية.
يحكيأستاذ عبد الرحمن عن جهودهم الأكاديمية والشخصية لإبقاء فن النحت على قيد الحياة بالرغم من عداءات الأنظمة الحاكمة آنذاك لفنون النحت والتي لا تعكس بالضرورة رؤى وآراء الشعب، مسترجِعاً ذكرى إحدى الجداريات التي عكفوا عليها والتي لفَتَتْ انتباه الشارع العام بشكل إيجابي، حيث توقفت السيارات وقاد الفضول الركاب للنزول ومشاهدة تثبيت جدارية "بزيانوس" بقرب صينية الأزهري بأم درمان، ويستدل عبد الرحمن بهذه الحادثة عن تلَهُّف الجمهور وتطلُّعِه للفن وتواجده في الساحة العامة بكل صُوَرِه سواء كانت نحتيّة أم تشكيلية، هذا التطلع والتلَهُّف الذي لم تنجح المؤسسات ورقابتها في إخماده.
هذه الرقابة شبه المطلقة للأفراد والمؤسَّسَات والكليات الفنية لا تعني نجاح الأنظمة بفرض أيدولوجياتها على الفنان، بل يرجِّح أيضاً أ.عبد الرحمن دور المعاداة الحكومية في صقل إيمان طلاب الكلية بقضيتهم وإصرارهم على الإنتاج الفني رغم تدهور الإمكانات الأكاديمية وضغط الرقابة وتيارات الفكر المضادة لأُسُسِهِم الفنية.

ذوبان الثلج والفن المغاير
من الجليّ أن فنون الرسم والتلوين هما الأحبّ لذائقة الجمهور السوداني، وإن ظلَّت لوحات الفن التشكيلي تغمر ساحة الفن المحلي كالوسيلة الفنية الأكثر شيوعاً، يحتلّ عامل جمالية العمل البصرية الأولوية للكثير من حيث الماهية والاستحقاقية لاعتبار العمل الفني في حد ذاته. وعلى الرغم من ذلك، يحفل تاريخ الفنون السودانية بالسُبُل المغايرة التي ابتكرها بعض الفنانين واستخدموها كوسيلة للتعبير والتعبئة والرفض.
تُعَد تجربة الفنان محمد شداد هي الأمثل للتحليل فيما يتعلّق بتفاعل واستنكار الجمهور والمحيط الفني للأعمال والمفاهيم الغير التقليدية. "معرض الثلج" عبارة ثبَتَتْ في ذاكرة المهتمِّين بالفن في السودان كعلامة للفن التركيبي المبكّر الذي اعتمده الفنان محمد شداد في منتصف السبعينيات مستعرِضاً قِطَع من الثلج مُحاطة بأكياس بلاستيكية ملأى بالمياه الملوّنة. ومثل هذا العمل الفني استكشاف مادِّي لسياقات المدرسة الكريستالية الفكرية ومفاهيمها كالشفافية والازدواجية.[1] ويمكن اعتبار هذا المعرض من ضمن الأحداث المضادة للأنظمة والمؤسسات بأنواعها، وهو عكس ما كانت تنظِّمُه الساحة الفنية آنذاك من معارض فنية مكرَّسة للمنظمات الدبلوماسية.
"معرض الثلج" يمثِّل، في مسار محمد شداد الفني، تتويجاً لسلسلة من الحركات الجمالية التي ابتدرها محمد شداد وهو طالب في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية. مبادرات محمد شداد التي يجمعها سعي منهجي متصل، فحواه النقد السياسي والأخلاقي من خلال الحركة الجمالية. فعندما كان طالباً في سنته الأولى بكلية الفنون بالخرطوم، أقام معرضه الشخصي الأول "معرض الإنسان الجالس" ومنذ الساعة الأولى تزاحَمَ الطلاب والأساتذة والعاملين بالمعهد وتجمهر طلاب من الأقسام الهندسية والتجارية داخل الصالة وعلى النوافذ لمشاهدة هذا الحدث العجيب. في استديو عُرِف باستديو ”تاريخ“ بالكلية، و فيعمق الاستديو كانت هناك منصة عليها كرسي، أجلس عليه محمد شداد "جيمس"،موديل قسم الرسم آنذاك عاري الصدر، وفوق رأسه بعدة سنتيمترات تدلت قطعة لحم كبيرة،كما كانت هناك أرغفة طازجة معروضة في الصالة. على حيطان الصالة عُلِّقَت لوحات زيتية و مائيات و رسومات بالقلم لمحمد شداد، وعلى الأرض ثلاثة أو أربعة لوحات زيتية صغيرة استعارها محمد شداد من بعض الطلاب منهم لوحات لدار السلام عبدالرحيم. بالقُرب من اللوحات كانت هناك بطاقة مكتوب عليها بخط واضح "ثمن اللوحة خمسة قُبلات". طبعاً لم يجرؤ أحد على دفع الثمن الفادح لشراء المعروضات، لكن بؤرة الاستفزاز تركَّزَت على حديث محمد شداد الذي انطلق يخطب في الجمع مبشِّراً بـ"تحرير الغرائز" كخطوة ضرورية لتحرير الإنسان، و خلاص الإنسانية إنما يكون في التخلُّص من كل عقابيل الكبت المتوارثة عبر القرون بفعل الأيديولوجيات والنصوص المقدَّسة والتقاليد البالية التي تغرِّب الإنسان عن جوهره"ككائن مجبول على الهروب من الألم نحو اللذة[2]".
استفزَّ هذا الحدث مجتمع الكلية الصغير حتى أنّ جماعة من الطلاب عقدوا محكمة رمزية لمحاكمة محمد شداد فأدانوه لنشوزه وحكموا عليه بعقوبة رمزية مقدارهاعشرة جلدات.[3]


ومن الأمثلة الأخرى التي انتفضت على تعريفات ومسمّيات الفن السوداني هو بيان المدرسة الكريستالية، فكما كانت بداية المدرسة الخرطومية[1] هي نتاجاً لغياب اللوحة التشكيلية، أشعلت شرارة المدرسة الكريستالية لوحة كبيرة بطول ٣ أمتار ونصف، رسَمَتْها الفنانة كمالا إسحق، تُصوِّر ١٥ كرة كريستالية، فيها تدرُّجات لونيّة، بعنوان "ندوة في مكعبات زجاجية" تمثِّل ما يشبه علاقة الحياة بين الإنسان والنبات.
"إنَّ الحقيقة نسبية وإطلاق الطبيعة رهين بالإنسان كأطروحة محدودة والصراع بين الإنسان والطبيعة يسير دائماً لإيجاد الصِّيَغ والمقولات التى تجعل العكس أي الإنسان المطلق تجاه المؤسسات والصيغ الطبيعية المحدودة والتي هي من صنع الإنسان نفسه.فإذا كانت الجدلية فى الفكر الكلاسيكي الحديث يُعبَّر عنها بـ( ليست هنالك ظاهرة معزولة )، ( وأن معرفة الإنسان بالمادة هى معرفته بأشكال حركة المادة ) .. فإننا وفق فكرة الكريستالة لا نتوانى ونقول أنَّ الجدلية بديل عن الطبيعة نفسها"[2]
نُشِر البيان الكريستالي في الواحد والعشرين من يناير عام ١٩٧٦، مؤجِّجاً النقاشات بِلُغَته الفلسفية والنقدية فيما يخص أخذ التراث بعين الاعتبار الذي يتعلق بالفنون.[3] فأتى بمحاولة للتمييز عن مسار مدرسة الخرطوم كما يصفه د.صلاح محمد حسن، الذي يشير إلى أن جُلّ اهتمام الكريستاليين يركِّز في العمل على وضع فكرتيْ "التحوُّل" و"الصيرورة" في مقدمة اهتمام الفن التشكيلي كقوى جوهرية بدلاً عن سيادة "السودانوية" التي تركِّز على أيديولوجيا "العودة إلى الأصل"، والتي تفرَّدَت بها مدرسة الخرطوم على مستوى الأسلوب والجماليات.

انتقالاً من العام ١٩٧٦ إلى العام ٢٠١٩، حيث أدى اعتصام المتظاهرين السِلمِيِّين المطالِبين بالعدالة في ساحة القيادة العامة بالخرطوم إلى أكبر أُطروحة فنية شَهِدَها الشعب السوداني منذ عقود.
التقط العديد من الفنانين أدواتهم متّجهين إلى ساحة القيادة كمركزهم الفني الجديد، واكتظّت المساحة ذات العشرة كيلومترات مربعة بمعارض تاريخية وثقافية وأعمال فنية مختلفة، كَسَرَت الساحة الحواجز التي عرقلت أو حالت بين الفنان والجمهور وبين نظرية الفن وممارسته، واستبدلتها بمباشرة العملية الفنية دون الاعتماد على طُرُق العرض التقليدية والشائعة، ممثِّلةً بذلك معْبَراً مهماً ومُرَحِّباً تَصُب فيه جميع أنواع الفنون التعبيرية والمفاهيمية.
تشكَّلَت ساحة القيادة من أكثر المجموعات تنوُّعاً من أعراق المجتمع السوداني، لذا كان هنالك تنوُّع فني. وقد تجلّى هذا التنوُّع على أنواع الفنون الجميلة والاستعراضية والتنصيبية. فانعكس كسر القيود التعبيرية على التدفُّق الإبداعي، وعلى تقبُّل وانفتاح الجمهور على جميع أنواع الأعمال المعروضة.
أدَّى ذلك الحدث إلى تحوُّل مساحي كبير في الساحة الفنية السودانية، وظهور الشكل الجديد لساحة القيادة كمعمل فني مكون من شتى آراء ورؤى الشعب. فانتعشت بذلك الجدارية السودانية واحتوت على شعارات ومطالب سياسية عن مفهوم الأعمال الفنية، أمثَلُها جدارية المطالبة بالقصاص لأفراد النظام السابق التي تتضمن قائمة بأسمائهم وجدارية الفنانة آلاء ساتر المتمحوِرة حول دور النساء في قيادة الثورة وأهمية تمركزهم لإبقاء شعلة المقاومة متّقِدة.
تتجلّى قوة وتأثير الفنون التي احتضَنَتْها ساحة القيادة في انصهارها داخل ذاكرة المواطن السوداني وعقله الباطن، مفسِحةً المجال لتكوُّن فضاءٍ فنيٍ جديد في الذاكرة الجماعية. ورغم قيام المليشيات العسكرية بإتلاف الأعمال الفنية ومسح معظم الجداريات، إلا أن قدرة التوثيق البصري ومحاوطة الأعمال الفنية لمنطقة الاعتصام تفوق قدرة الحكومات على طمس الحركة الفنية الثورية ومحوها من العقل الباطن وذاكرة الشعوب.

ديمومة المساحة الفنية وأثرها التراكمي
يظلّ الهدف المنشود هو نقل روح ساحة اعتصام القيادة وجوهرها إلى مساحات فنية شاملة لجميع أطياف المجتمع وتعزم على إتاحة جميع المصادر الثقافية والمعرفية للعامة، بهدف هدم العوائق السياسية والمجتمعية الماثلة بين الفرد والمجتمع، ومحاربة النظم النخبوية لإنتاج واستعراض الفنون.
ولكن تظل أغلب التحديات التي تواجه إنشاء متحف أو صرح جديد هي الموارد المطلوبة لوجود صرح ثقافي شامل، إن كانت مادية كتكاليف الإنشاء والمحافظة على البنيان ودفع النفقات الوظيفية، أم كانت موارد معرفية كالممارسة النظرية وتحليل وتفكيك ماهية وتاريخ الفن والأعمال الفنية الموجودة، وتقييم المعارض وإقامة البرامج الفنية العامة التي تشمل مواضيعها مختَلَف محاور التاريخ الفني والثقافي واهتمامات الزائر السوداني.
يجدر بالذكر هنا أن تاريخ المعارض والمساحة الفنية في السودان يزخر بالكثير من المساحات المستقلّة والمعارض التجارية التي تحتضن أعمال مفاهيمية متعددة. ورغم ذلك، يظل غياب الصرح الفني الدائم على أرض الواقع مشكِّلاً معضلة بصرية وثقافية للمُشاهد السوداني الذي ظل يسمع عن أخبار نيْل عدد من الفنانين الجوائز من دون إتاحة الفرصة للاطِّلاع على أعمالهم. مما جعل هذا الأمر من العالم الافتراضي ساحة للعرض والبحث، و تمكَّن العديد بمجهودات فردية مشاركة معلوماتهم ومصادرهم الثقافية، ولكن تظلّ الحاجة الملحَّة إلى وجود متحف فنِّي يشمل الأعمال المختلفة التي ساهمت في تشكيل الحركة الفنية السودانية، من الحرص على تبيين العوامل السياسية والاقتصادية والعرقية التي أثّرت على مسيرة الفن، وإظهار الفنون التي انعكس تأثيرها على تلك العوامل.
ومن الضروري الاطّلاع على تجارب الدول الأفريقية المجاورة،فقد مرّت بعضها بعوامل مختلفة والتي أضحت عائقاً بينها وبين الجمهور، فتكرر مشهد عدد الزيارات القليلة بالرغم من محاولات المتاحف بإشراك الجمهور المحلي من خلال برامج عامة أو معارض فنية عديدة، إلا أنها لم تفلح في جذب الجمهور المحلي،والذي يشير إلى أن المتحف يُنظَر إليه باعتباره ظاهرة نُخبوية.[1] مما يقودنا إلى التساؤل عن ماهية وكيفية عملية انتقاء الفنانين والمسؤولين وعملية اختيار الأعمال الفنية بشكل يتيح للكل التواصل والتجاوب معها.
تظل من أهم المسائل الأساسية الشائكة والأكثر تعقيداً هي ماهية تحديد أو تعريف الفن (الحديث) في سياق سوداني محلي، ومن يحدِّد ويعرِّف هذا الإطار. وكيف لهذا الصرح أن ينجو من تاريخ المتاحف الاستعماري والبصمة الغربية التي طغت على مفهوم التقييم والاستعراض الفني.
ومن الجوانب الأخرى التي تعنى بالذاكرة الفنية الجماعية، هو تغلغل الفنون وممارساتها في مختَلَف السياقات الفعلية والفكرية لتكون جزءاً لا يتجزأ من التجربة الحياتية اليومية. تنوعت وتوسعت عملية الاطّلاع والتفاعل مع الأعمال الفنية، وتجاوزت مساحة المعرض التقليدية لتشمل جميع المساحات العامة. كل هذا سمح لإتاحة الفن لجميع أطياف الشعب، مما سيؤثر بدوره على مساحة الفن الذهنية في ذاكرة الجماعة. تُعَدّ المساهمة الجماعية المستمرّة على نحو دائم من الخطوات الأساسية المساهِمة في إثراء وتطوُّر المساحة الثقافية الحالية،داعمةً لتفاعل المجتمع مع الفنانين والمهتمين بالفنون وممكِّنة للتحصُّل على السُبُل المعرفية الثقافية، وسينعكس أثر تراكمية هذه المجهودات إيجاباً على الجوانب المفاهيمية والمادية للفن السوداني.
تُعتَبَر فكرة إنشاء متحف دائم للفنون معقَّدة بعض الشئ لما تحتويه من أصداء استعمارية، ولكن تظل الغاية هي ديمومة المساحة، بغضّ النظر عن الشكل والمسمى التي تتخذه. ظلت الغاية هي نفسها، وهي توفُّر جميع الأعمال الفنية بمختَلَف مفرداتها وتجلياتها، للعامة. مشكِّلةً بذلك منْفَذَاً لما سيحيكه المستقبل من فن، والحيوات المنبثقة من جراء هذا الفعل الضروري.
اللوحات المذكورة في الحلقة









تصميم البوستر: عزة محمد

عمل على إنتاج الحلقة كل من:
بحث ومقابلات: مي أبو صالح، ومحمد عوض مصطفى.
تقديم: عزة محمد وزينب عثمان.
تحرير: محمد عوض مصطفى، داليا عبد الإله، وحسام هلالي مع مشاركة كل من زينب عثمان وعزة محمد.
موسيقى: الزين ستوديو.
ميكساج: طارق سليمان.
إدارة: زينب عثمان.
تم التسجيل باستديو Rift Digital Lab
تصميم بوستر: عزة محمد
يمكن الاطلاع على كل اللوحات المذكورة في الحلقة في اخر الصفحة
تشكُّل الذاكرة الفنية السودانية
يستعرض هذا المقال المساحات الفنية السودانية بأشكالها المتعدِّدة وإسقاطاتها على مساحاتنا الذهنية فيما يتعلق بماهية، أنواع ومعاني الفنون. حيث يتطرَّق المقال إلى غياب المساحة الثابتة والشاملة لمختلف أنواع الفن السوداني، وأثرها على ذاكرتنا الجماعية المحلية. فهو استكشاف مِساحي لمكان الفن الفعلي وموقعه المجازي في سوداننا الماضي والحاضر.
الذاكرة كمتحف متنقِّل: استكشاف الذاكرة الفنية المحلية
غياب عامل التوثيق والمصادر المتاحة عن تاريخ الفن السوداني يجعل من سيرته سرداً يتردَّد خلاله على المسامع أسماء وسِيَر فنانين كثر، بينما تحتجب أعمالهم عن البصر. فغالباً ما تتَّسِم مهمّة التعرُّف على تاريخ الفن السوداني الحديث والمعاصر بالمجهودات البحثية الشخصية، وتسبق عملية قراءة النصوص والآراء مشاهدة الأعمال الفنية على أرض الواقع، وبرغم تعدُّد أسباب هذه المسألة، إلا أنه يستوجب التطرق على أحد أهم التَبِعات الناتجة من هذا الغياب.
إن للفجوة القائمة بين عملية ممارسة الفنون وبين إمكانية رؤية الأعمال الفنية على أرض الواقع؛ انطباعاً جذرياً وأثراً على ماهية الفن ومدى ارتباطِه بالمجتمع المحلي كليًّا. حيث يؤثِّر غياب العلاقة المساحية والاجتماعية العامّة والدائمة بين الفنَّان والمجتمع التي تمكِّنُه من استعراض فنِّه وتبادُل الآراء والأفكار والتحليلات، مؤدِّياً بذلك لضعف ارتباط المجتمع بالفن وإمكانية تغَلْغُلِه في مختَلَف مناحي الحياة اليومية.
تشكَّلَت ساحة الماضي الأدبية من عدة نُقَّاد ومفكِّرين أثْرَوا نطاق الحوار والنقد الفني، وانتقلَتْ أحاديثهم من النطاق الشفهي إلى النطاق الكتابي عندما صدَرَت عدة مطبوعات ومؤلفات ثقافية منذ منتصف القرن الماضي، تمحورت مواضيعها حول النقد الأدبي والثقافي والفني، والتحاوُر حول مختَلَف النقاشات، وإجراء لقاءات مع الفنانين تُبْقي الوصل ما بين القاريء والفنَّان (مجلة الخرطوم ومجلة الثقافة السودانية كمثال). مكوِّنين بذلك مساحة فكرية متنقِّلة وعابرة للحدود المكانية، متخلِّلَةً أذهان العديد من قُرّائِها وحاضرة كسجل موثِّق لهذه الأحاديث. خفَتَتْ أصوات هذا الحوار بعد ذلك لعدة أسباب سياسية رقابية واقتصادية، مما أدى إلى تضاؤل المساحة التحريرية الحرة وتلاشيها إلى حين آخر.

شَهِدَتْ الساحة الفنية في العقود الأخيرة تغيُّرات عدَّة فيما يخص أنواع الفنون والمفاهيم التي تحتويها الأعمال المنتجة، خاصة مع ظهور المصادر المعرفية الإلكترونية التي بدورها أتاحت للفنان الاطلاع على كمّ معرفي هائل ومفتوح المصدر، مما أَحدَثَ ثورةً غيَّرت توجُّه العديد، وألقَتْ بظلالها على نظرة الشارع العام للفن وماهيته وأهميته. إلا أن حق الممارسة ما زال محكوماً عند البعض ما بين الاعتقاد بأنَّ إنتاج العمل الفنِّي يحتاج إلى وجود هبة إلهية تستحضر نفسها وتكتفي ذاتياً، وهي التي تُوحِي للفنان وتمدُّه بكل القدرات الفكرية والتطبيقية، وما بين حصر مفهوم الممارسة الفنية على نموذج نخبوي ذي نطاق محدود ومستند على مفاهيم منفصلة عن الثقافة القومية والمحلية.
تقف الساحة الفنية الحالية عند مفترق طُرُق فيما يتعلَّق بالفنون الحرفية والمِهَن اليدوية التقليدية كصناعة الفخَّار والنجارة والحدادة. فما بين اختزالها ضمن الفنون الجميلة وإضافتها عند التعريف بالفنون التشكيلية أو اعتبارها دون مكانتها الفنية المستحقة، تكمن خطورة هذه التسميات المحددة كونها سبباً في عرقلة وتعطيل عملية الابتكار وازدهار الفنون بأنواعها واختلاق وسائل وسبل ورموز فنية جديدة تتعدَّى المسمّيات والمصطلحات ”النقدية“ المعروفة.
مفاوضات الساسة في ساحة المعرض
لسياسات الدولة تاريخ ممتد من التدخُّلات في مسار الفنون، تارةً في مظهر داعم لتسيير دعاياتها ومناهجها، وتارةً أخرى لحجب وقمع الجهود الفنية كمحاولات لكبت الرأي العام وحركة الشارع.
تم استغلال ساحة المعرض الفني من قِبَل الدولة الاستعمارية كأداة للدعاية السياسية، وقد استمرت سُلطات ما بعد الاستقلال تبنِّي هذا النهج، حيث قامت المنظَّمات السياسية، الحزب الشيوعي السوداني كمثال، باستخدام المعارض الفنية كمدخل ومحفز للأفراد للانضمام إلى العمل السياسي.
خلال الأعوام المستقرة سياسياً (١٩٦٩-٨٥) تمكَّنَ الرئيس النميري من إقامة مؤسسات ثقافية معزِّزة لفكرة المعرض كمساحة تمثيل استثنائية. تلَتْها تجارب قوى سياسية كحزب الأمة الذي بدوره استخدم المعرض الفني لعكس صورة حديثة وجاذِبة لمشروعه السياسي. تؤثِّر المعارض الفنية ذات التوجه السياسي بالأنشطة السياسية والفنية على حدٍ سواء، فيتقدم المزيد من الفنانين بفرض توجّههم السياسي على أعمالهم، في محاولة للتماشي مع الوضع الراهن،مما يغيِّر من مسارهم واتجاههم الفني.[1]
على الرغم من تبدُّل الأفراد على كرسي الحكم وتغيُّر الأنظمة الحاكمة، ظلَّت الرقابة السياسية ملقية بثقلها على كاهل الفنان، تَحُولبينه وبين إظهار تعبيره الأصدق لنفسه وللعامة. وتُعَد عملية الرقابة الفكرية موروث استعماري تبَنَّتْهُ الحكومات التي تلت الاستقلال بمنهج شمولي يمر بدرجات متفاوتة من المراقبة، والتي قامت بدورها بعزل وحجب أفكار الفنان التي لا تتماشى مع أجندة الدولة السياسية والفكرية عن الجمهور.


ومن بين الأمثلة العدّة، ما تزال تجربة الفنان إبراهيم الصلحي حدثاً يستوجب علينا ذكره، فبالرغم من إسهاماته في تشكيل مدرسة فكرية والعمل كمدرِّس في الكلية وتولِّي مناصب ذات سلطة إلا أنه لم ينجُ من زنزانات جعفر النميري السياسية. فلم تشفع له إدارة مصلحة الثقافة بوزارة الإعلام ولا إدارة المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون من فترة حبس مدتها ستة أشهر ويومان قضاها في سجن كوبر، بالإضافة إلى إقامة جبرية تلت خروجه من السجن بسبب مزاعم لادليل لها عن مشاركته في تدبير انقلاب على الحكومة الحالية آنذاك عام ١٩٧٥. مؤثِّرة تباعاً على أسلوبه الفني ومساره العملي وعاملاً أساسياً في اتخاذ قراره بالهجرة.[1]
أما كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، فلم يسْلَم أفرادها من مضايقات الأنظمة السابقة التي تنوَّعت من معاداة لفصل تام من الكلية. نقلاً عن الفنان عبد الرحمن عبد الله الملقب ب"شنقل"، وهو فنان ومدرِّس تشكيلي في معهد الفنون الجميلة، تطرَّق عضو اتحاد التشكيليين السودانيين عبد الرحمن إلى تجربته التعليمية التي حرص من خلالها على إلمام طلاب النحت بالتاريخ السوداني ليكون قاعدة لهم ليتمكنوا من إنتاج فن معاصر أصيل بالرغم من الفجوات غير الموثَّقة التي تتخلَّل تاريخنا بداية بالممالك المسيحية وانتهاءً بدولة سِنّار. حيث كانت ممارسة النحت بالتحديد مهمة لارتباط النحت بالحضارة المروية فكان جزءاً أساسياً من ثقافتهم، واندثرت ثقافة النحت عند دخول الإسلام لاعتبارها ممارسة لا تخدم العقيدة الإسلامية.
يحكيأستاذ عبد الرحمن عن جهودهم الأكاديمية والشخصية لإبقاء فن النحت على قيد الحياة بالرغم من عداءات الأنظمة الحاكمة آنذاك لفنون النحت والتي لا تعكس بالضرورة رؤى وآراء الشعب، مسترجِعاً ذكرى إحدى الجداريات التي عكفوا عليها والتي لفَتَتْ انتباه الشارع العام بشكل إيجابي، حيث توقفت السيارات وقاد الفضول الركاب للنزول ومشاهدة تثبيت جدارية "بزيانوس" بقرب صينية الأزهري بأم درمان، ويستدل عبد الرحمن بهذه الحادثة عن تلَهُّف الجمهور وتطلُّعِه للفن وتواجده في الساحة العامة بكل صُوَرِه سواء كانت نحتيّة أم تشكيلية، هذا التطلع والتلَهُّف الذي لم تنجح المؤسسات ورقابتها في إخماده.
هذه الرقابة شبه المطلقة للأفراد والمؤسَّسَات والكليات الفنية لا تعني نجاح الأنظمة بفرض أيدولوجياتها على الفنان، بل يرجِّح أيضاً أ.عبد الرحمن دور المعاداة الحكومية في صقل إيمان طلاب الكلية بقضيتهم وإصرارهم على الإنتاج الفني رغم تدهور الإمكانات الأكاديمية وضغط الرقابة وتيارات الفكر المضادة لأُسُسِهِم الفنية.

ذوبان الثلج والفن المغاير
من الجليّ أن فنون الرسم والتلوين هما الأحبّ لذائقة الجمهور السوداني، وإن ظلَّت لوحات الفن التشكيلي تغمر ساحة الفن المحلي كالوسيلة الفنية الأكثر شيوعاً، يحتلّ عامل جمالية العمل البصرية الأولوية للكثير من حيث الماهية والاستحقاقية لاعتبار العمل الفني في حد ذاته. وعلى الرغم من ذلك، يحفل تاريخ الفنون السودانية بالسُبُل المغايرة التي ابتكرها بعض الفنانين واستخدموها كوسيلة للتعبير والتعبئة والرفض.
تُعَد تجربة الفنان محمد شداد هي الأمثل للتحليل فيما يتعلّق بتفاعل واستنكار الجمهور والمحيط الفني للأعمال والمفاهيم الغير التقليدية. "معرض الثلج" عبارة ثبَتَتْ في ذاكرة المهتمِّين بالفن في السودان كعلامة للفن التركيبي المبكّر الذي اعتمده الفنان محمد شداد في منتصف السبعينيات مستعرِضاً قِطَع من الثلج مُحاطة بأكياس بلاستيكية ملأى بالمياه الملوّنة. ومثل هذا العمل الفني استكشاف مادِّي لسياقات المدرسة الكريستالية الفكرية ومفاهيمها كالشفافية والازدواجية.[1] ويمكن اعتبار هذا المعرض من ضمن الأحداث المضادة للأنظمة والمؤسسات بأنواعها، وهو عكس ما كانت تنظِّمُه الساحة الفنية آنذاك من معارض فنية مكرَّسة للمنظمات الدبلوماسية.
"معرض الثلج" يمثِّل، في مسار محمد شداد الفني، تتويجاً لسلسلة من الحركات الجمالية التي ابتدرها محمد شداد وهو طالب في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية. مبادرات محمد شداد التي يجمعها سعي منهجي متصل، فحواه النقد السياسي والأخلاقي من خلال الحركة الجمالية. فعندما كان طالباً في سنته الأولى بكلية الفنون بالخرطوم، أقام معرضه الشخصي الأول "معرض الإنسان الجالس" ومنذ الساعة الأولى تزاحَمَ الطلاب والأساتذة والعاملين بالمعهد وتجمهر طلاب من الأقسام الهندسية والتجارية داخل الصالة وعلى النوافذ لمشاهدة هذا الحدث العجيب. في استديو عُرِف باستديو ”تاريخ“ بالكلية، و فيعمق الاستديو كانت هناك منصة عليها كرسي، أجلس عليه محمد شداد "جيمس"،موديل قسم الرسم آنذاك عاري الصدر، وفوق رأسه بعدة سنتيمترات تدلت قطعة لحم كبيرة،كما كانت هناك أرغفة طازجة معروضة في الصالة. على حيطان الصالة عُلِّقَت لوحات زيتية و مائيات و رسومات بالقلم لمحمد شداد، وعلى الأرض ثلاثة أو أربعة لوحات زيتية صغيرة استعارها محمد شداد من بعض الطلاب منهم لوحات لدار السلام عبدالرحيم. بالقُرب من اللوحات كانت هناك بطاقة مكتوب عليها بخط واضح "ثمن اللوحة خمسة قُبلات". طبعاً لم يجرؤ أحد على دفع الثمن الفادح لشراء المعروضات، لكن بؤرة الاستفزاز تركَّزَت على حديث محمد شداد الذي انطلق يخطب في الجمع مبشِّراً بـ"تحرير الغرائز" كخطوة ضرورية لتحرير الإنسان، و خلاص الإنسانية إنما يكون في التخلُّص من كل عقابيل الكبت المتوارثة عبر القرون بفعل الأيديولوجيات والنصوص المقدَّسة والتقاليد البالية التي تغرِّب الإنسان عن جوهره"ككائن مجبول على الهروب من الألم نحو اللذة[2]".
استفزَّ هذا الحدث مجتمع الكلية الصغير حتى أنّ جماعة من الطلاب عقدوا محكمة رمزية لمحاكمة محمد شداد فأدانوه لنشوزه وحكموا عليه بعقوبة رمزية مقدارهاعشرة جلدات.[3]


ومن الأمثلة الأخرى التي انتفضت على تعريفات ومسمّيات الفن السوداني هو بيان المدرسة الكريستالية، فكما كانت بداية المدرسة الخرطومية[1] هي نتاجاً لغياب اللوحة التشكيلية، أشعلت شرارة المدرسة الكريستالية لوحة كبيرة بطول ٣ أمتار ونصف، رسَمَتْها الفنانة كمالا إسحق، تُصوِّر ١٥ كرة كريستالية، فيها تدرُّجات لونيّة، بعنوان "ندوة في مكعبات زجاجية" تمثِّل ما يشبه علاقة الحياة بين الإنسان والنبات.
"إنَّ الحقيقة نسبية وإطلاق الطبيعة رهين بالإنسان كأطروحة محدودة والصراع بين الإنسان والطبيعة يسير دائماً لإيجاد الصِّيَغ والمقولات التى تجعل العكس أي الإنسان المطلق تجاه المؤسسات والصيغ الطبيعية المحدودة والتي هي من صنع الإنسان نفسه.فإذا كانت الجدلية فى الفكر الكلاسيكي الحديث يُعبَّر عنها بـ( ليست هنالك ظاهرة معزولة )، ( وأن معرفة الإنسان بالمادة هى معرفته بأشكال حركة المادة ) .. فإننا وفق فكرة الكريستالة لا نتوانى ونقول أنَّ الجدلية بديل عن الطبيعة نفسها"[2]
نُشِر البيان الكريستالي في الواحد والعشرين من يناير عام ١٩٧٦، مؤجِّجاً النقاشات بِلُغَته الفلسفية والنقدية فيما يخص أخذ التراث بعين الاعتبار الذي يتعلق بالفنون.[3] فأتى بمحاولة للتمييز عن مسار مدرسة الخرطوم كما يصفه د.صلاح محمد حسن، الذي يشير إلى أن جُلّ اهتمام الكريستاليين يركِّز في العمل على وضع فكرتيْ "التحوُّل" و"الصيرورة" في مقدمة اهتمام الفن التشكيلي كقوى جوهرية بدلاً عن سيادة "السودانوية" التي تركِّز على أيديولوجيا "العودة إلى الأصل"، والتي تفرَّدَت بها مدرسة الخرطوم على مستوى الأسلوب والجماليات.

انتقالاً من العام ١٩٧٦ إلى العام ٢٠١٩، حيث أدى اعتصام المتظاهرين السِلمِيِّين المطالِبين بالعدالة في ساحة القيادة العامة بالخرطوم إلى أكبر أُطروحة فنية شَهِدَها الشعب السوداني منذ عقود.
التقط العديد من الفنانين أدواتهم متّجهين إلى ساحة القيادة كمركزهم الفني الجديد، واكتظّت المساحة ذات العشرة كيلومترات مربعة بمعارض تاريخية وثقافية وأعمال فنية مختلفة، كَسَرَت الساحة الحواجز التي عرقلت أو حالت بين الفنان والجمهور وبين نظرية الفن وممارسته، واستبدلتها بمباشرة العملية الفنية دون الاعتماد على طُرُق العرض التقليدية والشائعة، ممثِّلةً بذلك معْبَراً مهماً ومُرَحِّباً تَصُب فيه جميع أنواع الفنون التعبيرية والمفاهيمية.
تشكَّلَت ساحة القيادة من أكثر المجموعات تنوُّعاً من أعراق المجتمع السوداني، لذا كان هنالك تنوُّع فني. وقد تجلّى هذا التنوُّع على أنواع الفنون الجميلة والاستعراضية والتنصيبية. فانعكس كسر القيود التعبيرية على التدفُّق الإبداعي، وعلى تقبُّل وانفتاح الجمهور على جميع أنواع الأعمال المعروضة.
أدَّى ذلك الحدث إلى تحوُّل مساحي كبير في الساحة الفنية السودانية، وظهور الشكل الجديد لساحة القيادة كمعمل فني مكون من شتى آراء ورؤى الشعب. فانتعشت بذلك الجدارية السودانية واحتوت على شعارات ومطالب سياسية عن مفهوم الأعمال الفنية، أمثَلُها جدارية المطالبة بالقصاص لأفراد النظام السابق التي تتضمن قائمة بأسمائهم وجدارية الفنانة آلاء ساتر المتمحوِرة حول دور النساء في قيادة الثورة وأهمية تمركزهم لإبقاء شعلة المقاومة متّقِدة.
تتجلّى قوة وتأثير الفنون التي احتضَنَتْها ساحة القيادة في انصهارها داخل ذاكرة المواطن السوداني وعقله الباطن، مفسِحةً المجال لتكوُّن فضاءٍ فنيٍ جديد في الذاكرة الجماعية. ورغم قيام المليشيات العسكرية بإتلاف الأعمال الفنية ومسح معظم الجداريات، إلا أن قدرة التوثيق البصري ومحاوطة الأعمال الفنية لمنطقة الاعتصام تفوق قدرة الحكومات على طمس الحركة الفنية الثورية ومحوها من العقل الباطن وذاكرة الشعوب.

ديمومة المساحة الفنية وأثرها التراكمي
يظلّ الهدف المنشود هو نقل روح ساحة اعتصام القيادة وجوهرها إلى مساحات فنية شاملة لجميع أطياف المجتمع وتعزم على إتاحة جميع المصادر الثقافية والمعرفية للعامة، بهدف هدم العوائق السياسية والمجتمعية الماثلة بين الفرد والمجتمع، ومحاربة النظم النخبوية لإنتاج واستعراض الفنون.
ولكن تظل أغلب التحديات التي تواجه إنشاء متحف أو صرح جديد هي الموارد المطلوبة لوجود صرح ثقافي شامل، إن كانت مادية كتكاليف الإنشاء والمحافظة على البنيان ودفع النفقات الوظيفية، أم كانت موارد معرفية كالممارسة النظرية وتحليل وتفكيك ماهية وتاريخ الفن والأعمال الفنية الموجودة، وتقييم المعارض وإقامة البرامج الفنية العامة التي تشمل مواضيعها مختَلَف محاور التاريخ الفني والثقافي واهتمامات الزائر السوداني.
يجدر بالذكر هنا أن تاريخ المعارض والمساحة الفنية في السودان يزخر بالكثير من المساحات المستقلّة والمعارض التجارية التي تحتضن أعمال مفاهيمية متعددة. ورغم ذلك، يظل غياب الصرح الفني الدائم على أرض الواقع مشكِّلاً معضلة بصرية وثقافية للمُشاهد السوداني الذي ظل يسمع عن أخبار نيْل عدد من الفنانين الجوائز من دون إتاحة الفرصة للاطِّلاع على أعمالهم. مما جعل هذا الأمر من العالم الافتراضي ساحة للعرض والبحث، و تمكَّن العديد بمجهودات فردية مشاركة معلوماتهم ومصادرهم الثقافية، ولكن تظلّ الحاجة الملحَّة إلى وجود متحف فنِّي يشمل الأعمال المختلفة التي ساهمت في تشكيل الحركة الفنية السودانية، من الحرص على تبيين العوامل السياسية والاقتصادية والعرقية التي أثّرت على مسيرة الفن، وإظهار الفنون التي انعكس تأثيرها على تلك العوامل.
ومن الضروري الاطّلاع على تجارب الدول الأفريقية المجاورة،فقد مرّت بعضها بعوامل مختلفة والتي أضحت عائقاً بينها وبين الجمهور، فتكرر مشهد عدد الزيارات القليلة بالرغم من محاولات المتاحف بإشراك الجمهور المحلي من خلال برامج عامة أو معارض فنية عديدة، إلا أنها لم تفلح في جذب الجمهور المحلي،والذي يشير إلى أن المتحف يُنظَر إليه باعتباره ظاهرة نُخبوية.[1] مما يقودنا إلى التساؤل عن ماهية وكيفية عملية انتقاء الفنانين والمسؤولين وعملية اختيار الأعمال الفنية بشكل يتيح للكل التواصل والتجاوب معها.
تظل من أهم المسائل الأساسية الشائكة والأكثر تعقيداً هي ماهية تحديد أو تعريف الفن (الحديث) في سياق سوداني محلي، ومن يحدِّد ويعرِّف هذا الإطار. وكيف لهذا الصرح أن ينجو من تاريخ المتاحف الاستعماري والبصمة الغربية التي طغت على مفهوم التقييم والاستعراض الفني.
ومن الجوانب الأخرى التي تعنى بالذاكرة الفنية الجماعية، هو تغلغل الفنون وممارساتها في مختَلَف السياقات الفعلية والفكرية لتكون جزءاً لا يتجزأ من التجربة الحياتية اليومية. تنوعت وتوسعت عملية الاطّلاع والتفاعل مع الأعمال الفنية، وتجاوزت مساحة المعرض التقليدية لتشمل جميع المساحات العامة. كل هذا سمح لإتاحة الفن لجميع أطياف الشعب، مما سيؤثر بدوره على مساحة الفن الذهنية في ذاكرة الجماعة. تُعَدّ المساهمة الجماعية المستمرّة على نحو دائم من الخطوات الأساسية المساهِمة في إثراء وتطوُّر المساحة الثقافية الحالية،داعمةً لتفاعل المجتمع مع الفنانين والمهتمين بالفنون وممكِّنة للتحصُّل على السُبُل المعرفية الثقافية، وسينعكس أثر تراكمية هذه المجهودات إيجاباً على الجوانب المفاهيمية والمادية للفن السوداني.
تُعتَبَر فكرة إنشاء متحف دائم للفنون معقَّدة بعض الشئ لما تحتويه من أصداء استعمارية، ولكن تظل الغاية هي ديمومة المساحة، بغضّ النظر عن الشكل والمسمى التي تتخذه. ظلت الغاية هي نفسها، وهي توفُّر جميع الأعمال الفنية بمختَلَف مفرداتها وتجلياتها، للعامة. مشكِّلةً بذلك منْفَذَاً لما سيحيكه المستقبل من فن، والحيوات المنبثقة من جراء هذا الفعل الضروري.
اللوحات المذكورة في الحلقة









تصميم البوستر: عزة محمد